كشف تقرير مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عن صورة عالمية قاتمة، تؤكد أن الفساد لم يعد مجرد ظاهرة إدارية، بل بات تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدول، وأمنها الاقتصادي، وثقة شعوبها في مؤسسات الحكم.
التقرير، الذي يُعد المرجع الأبرز عالميًا لقياس مستويات الفساد في القطاع العام، أظهر تراجعًا مستمرًا في أداء غالبية الدول، مع انخفاض عدد البلدان التي تحقق درجات عالية في النزاهة، مقابل اتساع دائرة الدول التي تعاني من هشاشة مؤسسية وضعف المساءلة وتآكل الحيز المدني.
ما هو مؤشر مدركات الفساد؟
يصنّف مؤشر مدركات الفساد 182 دولة وإقليمًا وفق مستوى الفساد المدرك في القطاع العام، على مقياس من 0 (شديد الفساد) إلى 100 (شديد النزاهة).
ويعتمد المؤشر على 13 مصدرًا دوليًا موثوقًا تعكس آراء خبراء ورجال أعمال، ويُعد منذ إطلاقه عام 1995 الأداة العالمية الأهم لقياس النزاهة المؤسسية، مع قابلية المقارنة السنوية للنتائج منذ 2012.
بلغ المتوسط العالمي هذا العام 42 من 100، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقد، ما يعكس اتجاهًا تراجعيًا طويل الأمد في جهود مكافحة الفساد.

الدول الأكثر نزاهة عالميًا
حافظت مجموعة محدودة من الدول على مواقع متقدمة في المؤشر، حيث تصدرت الدنمارك القائمة للعام الثامن على التوالي بدرجة 89، تلتها فنلندا (88) وسنغافورة (84).
كما ضمت قائمة أفضل الدول عالميًا من حيث النزاهة كلًا من:
نيوزيلندا، النرويج، السويد، سويسرا، لوكسمبورغ، هولندا، ألمانيا، وآيسلندا.
لكن التقرير يشير إلى أن عدد الدول التي تتجاوز حاجز 80 نقطة تقلص من 12 دولة قبل عقد من الزمن إلى 5 دول فقط هذا العام، في مؤشر واضح على تراجع عالمي حتى داخل الديمقراطيات الراسخة.
5 دول عربية ضمن قائمة الأكثر فسادًا
في المقابل، جاءت قائمة أسوأ الدول أداءً عالميًا لتشمل عدة دول تعاني من نزاعات أو هشاشة مؤسسية أو انهيار اقتصادي، ومن بينها خمس دول عربية:
سوريا
السودان
ليبيا
اليمن
الصومال
كما ضمت القائمة دولًا مثل غينيا الاستوائية، كوريا الشمالية، نيكاراغوا، إريتريا، وفنزويلا.
ويؤكد التقرير أن غالبية هذه الدول تعاني من ضعف مؤسسات الرقابة، وغياب الشفافية، وتراجع الحريات، وانتشار شبكات المحسوبية.
خريطة الفساد في الدول العربية
تجاوزت ست دول عربية حاجز 50 نقطة، وهي:
الإمارات العربية المتحدة، قطر، السعودية، سلطنة عُمان، البحرين، والأردن.
في المقابل، حصلت ثلاث عشرة دولة عربية على أقل من 50 نقطة، من بينها:
الكويت، المغرب، تونس، الجزائر، مصر، موريتانيا، العراق، لبنان، سوريا، السودان، ليبيا، اليمن، والصومال.
بلغ متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 39 من 100، بينما سجل متوسط الدول العربية 34 نقطة فقط، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين بعض التجارب الإصلاحية المحدودة والواقع العام المتعثر.
تراجع القيادة يقوّض جهود مكافحة الفساد
التقرير في إصداره الحادي والثلاثين حذر من تراجع دور القيادة السياسية عالميًا في مكافحة الفساد، مشيرًا إلى أن حتى الديمقراطيات الراسخة لم تعد محصنة.
شهدت دول مثل الولايات المتحدة (64)، وكندا (75)، والمملكة المتحدة (70)، وفرنسا (66)، والسويد (80) تراجعًا في الأداء مقارنة بسنوات سابقة.
ومنذ عام 2012، تراجعت درجات 50 دولة بشكل ملحوظ، في ظل:
-
ضعف منظومات النزاهة
-
تراجع الديمقراطية
-
النزاعات المسلحة
-
هشاشة المؤسسات
-
تصاعد شبكات المحسوبية
تقلص الحيز المدني.. مؤشر خطير
رصد التقرير نمطًا مقلقًا يتمثل في تقليص الحريات المدنية في العديد من الدول، حيث شهد 36 بلدًا من أصل 50 دولة تراجعت درجاتها تضييقًا على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات.
كما أشار إلى مقتل 150 صحفيًا كانوا يغطون قضايا فساد منذ عام 2012 في مناطق غير نزاعية، في مؤشر على خطورة كشف الفساد في بيئات غير ديمقراطية.
ويرى التقرير أن إضعاف المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية يسهم في استمرار المسؤولين الفاسدين في إساءة استخدام السلطة دون مساءلة.
دول تحسنت رغم التحديات
رغم الصورة القاتمة، سجلت 31 دولة تحسنًا ملحوظًا، من أبرزها:
إستونيا (76)
كوريا الجنوبية (63)
سيشل (68)
ويرجع التحسن إلى إصلاحات مؤسسية مستدامة، وتعزيز الرقابة، وتوسيع رقمنة الخدمات العامة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري.
الفساد عابر للحدود

أشار التقرير إلى أن الحصول على درجات مرتفعة لا يعني خلو الدول من المسؤولية، إذ تسهم بعض الدول المتقدمة في تمكين الفساد عبر تسهيل غسل الأموال وتحويلها عبر الحدود.
وضُرب مثال بسويسرا وسنغافورة، اللتين رغم درجاتهما المرتفعة، واجهتا تدقيقًا بشأن دورهما في نقل أموال غير مشروعة.
فلسطين خارج المؤشر.. تحديات معقدة
لم تُدرج فلسطين في المؤشر لأسباب منهجية، إلا أن تقارير محلية، مثل تقارير "ائتلاف أمان"، أشارت إلى استمرار ضعف منظومة المساءلة وغياب المجلس التشريعي، إلى جانب تأثيرات الاحتلال، كعوامل أضعفت النزاهة المؤسسية.
كما رُصدت حالات تعيينات غير شفافة، وقرارات ذات طابع تشريعي لا تخدم المصلحة العامة، واستغلال نفوذ في تقديم خدمات عامة مقابل أرباح غير مشروعة.
تحذير دولي: غياب القيادة الجريئة
حذرت منظمة الشفافية الدولية من أن غياب القيادة السياسية الجريئة في مكافحة الفساد يهدد بإضعاف الجهود العالمية، داعية إلى:
-
الإنفاذ الكامل للقوانين
-
تنفيذ الالتزامات الدولية
-
تعزيز الشفافية والمساءلة
-
حماية الصحفيين والمبلغين عن المخالفات
-
سد الثغرات التي تسمح بانتقال الأموال المنهوبة عبر الحدود
تهديد لأستقرار الدول وثقة الشعوب
يكشف تقرير مؤشر مدركات الفساد 2025 أن الفساد لم يعد مجرد مشكلة أخلاقية أو إدارية، بل أصبح تهديدًا هيكليًا لاستقرار الدول، وثقة الشعوب، ومستقبل التنمية.
وفي ظل تراجع القيادة السياسية، وتقلص الحريات، وتنامي شبكات المحسوبية، يبدو أن العالم يقف أمام مفترق طرق: إما إصلاحات جذرية تعيد الاعتبار للنزاهة، أو مزيد من التآكل المؤسسي الذي قد يدفع ثمنه الأجيال القادمة.


