الأربعاء، ٢٠ مايو ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٥ م

«العفاريت تستغيث من أفعال البشر».. جريمة كنز الفيوم التي صنعتها الخرافة والطمع

في واحدة من أبشع الحكايات التي تكشف كيف يمكن للجهل والطمع أن يتحولا إلى وحش يلتهم أقرب الناس، تحولت حياة الشابة دنيا في الفيوم إلى نهاية مأساوية، بعدما صدّق زوجها أن طريق الثراء السريع يمر من بوابة الدجل والكنوز المزعومة، وأن “الجن” يمكن أن يكشف له الذهب إذا قُدم له قربان من داخل أسرته. لم تكن القصة مجرد خلاف زوجي أو جريمة عابرة، بل مأساة كاملة صنعتها الخرافة، وفتح بابها حلم مريض بالمال، ثم أغلقتها محكمة الإعدام.

بداية الحكاية.. ابن مدلل يبحث عن الثراء السريع

كان محمد، بحسب رواية القصة المتداولة، شابًا معروفًا بين أهل قريته بأنه الابن الوحيد والمدلل داخل أسرته، يعيش طوال الوقت على حلم الثراء السريع والوصول إلى المال دون تعب.

وبعد زواجه من ابنة عمته دنيا، بدأت حياته تنحرف تدريجيًا عندما تعرف على مجموعة من الدجالين والمشعوذين، الذين أقنعوه بوجود كنز أثري مدفون أسفل منزل قديم، وأن الوصول إليه يحتاج إلى طقوس غريبة وسرية.

ومن هنا، دخل الزوج في دوامة الوهم، فلم يعد يرى بيته وزوجته وأولاده كما كانوا، بل بدأ ينظر إلى كل شيء حوله من خلال فكرة واحدة قاتلة: الكنز المدفون.

منزل قديم وحفرة أسفل السرير

باع محمد وأسرته ممتلكاتهم، واشتروا المنزل الذي أشار إليه المشعوذون، ثم بدأت رحلة الحفر داخل غرفة نومه.

وبحسب التفاصيل المتداولة، حفر الزوج حفرة عميقة أسفل السرير، وأخفى فتحتها تحت سجادة ثقيلة، بينما كانت زوجته دنيا تعيش في المكان نفسه لأشهر دون أن تعلم أن هذه الحفرة لن تكون طريقًا إلى الذهب، بل ستتحول إلى مسرح لنهايتها.

كانت الأسرة تبحث عن كنز غير موجود، بينما كانت الكارثة الحقيقية تكبر في صمت تحت أرض الغرفة.

المشعوذون يطلبون الدم.. والضحية تصبح زوجته

مع مرور الوقت، أوهم الدجالون الزوج أن الكنز لن يظهر إلا بعد تقديم دم من عائلته نفسها.

في البداية، طلب من زوجته التضحية بابنهما الصغير، لكنها فزعت ورفضت تمامًا، وحاولت الهرب بأطفالها من هذا الجنون.

لكن حماتها، بحسب الرواية المتداولة، تدخلت وأقنعتها بأن زوجها “يمزح”، ثم أعادتها إلى الشقة، قبل أن تجد دنيا نفسها وحيدة داخل المنزل مع زوجها داخل غرفة مغلقة.

وهناك، واجهها الزوج بخيار صادم: إما هي أو ابنها.

أم تختار الموت لإنقاذ طفلها

في لحظة لا يمكن تخيل قسوتها، اختارت دنيا أن تحمي طفلها، وقررت أن تتحمل هي المصير بدلًا منه.

استغل الزوج اللحظة، ونفذ جريمته مدفوعًا بوهم الطقوس التي أقنعه بها المشعوذون، معتقدًا أن دم زوجته سيكشف له الذهب ويفتح له باب الثراء.

هنا لم تعد الجريمة مجرد قتل، بل أصبحت عنوانًا مرعبًا لسقوط الإنسان عندما يترك عقله للدجل، وقلبه للطمع، وبيته للخرافة.

محاولة إخفاء الجريمة.. ورواية الحادث المنزلي

بعد الجريمة، حاولت الأسرة إخفاء الحقيقة، وجرى الادعاء بأن وفاة دنيا جاءت نتيجة حادث منزلي.

وبحسب التفاصيل المتداولة، ساعدت والدة الزوج في تنظيف الجثمان وتغيير ملابس الضحية، قبل أن تُنقل دنيا إلى المستشفى على أمل أن تمر الرواية المصطنعة دون كشف.

لكن الحقيقة كانت أقوى من محاولة التستر.

الطب الشرعي يكشف المستور

عندما وصلت دنيا إلى المستشفى، أثارت آثار جسدها شكوك الأطباء، لتبدأ مرحلة كشف الحقيقة.

وكشف تقرير الطب الشرعي أن الوفاة لم تكن حادثًا منزليًا كما زعموا، بل جريمة قتل عمد بطريقة بشعة، لتنهار الرواية التي حاول الجاني ومن حوله تسويقها.

ومع التحقيقات، لم يصمد الزوج طويلًا، فاعترف بتفاصيل الجريمة، مؤكدًا أنه كان يظن أن قتل زوجته سيكشف له مكان الكنز.

المفاجأة الأكبر.. لا كنز ولا آثار من الأساس

المفارقة القاسية أن لجنة من وزارة السياحة والآثار المصرية عاينت المنزل لاحقًا، وأكدت أنه لا يوجد أي أثر أو كنز في المكان.

وهنا اكتملت المأساة: زوجة فقدت حياتها، وأطفال فقدوا أمهم، وأسرة تحطمت، وكل ذلك بسبب وهم لا وجود له، صنعه دجالون، وصدقه رجل أعمته شهوة المال.

حكم الإعدام.. نهاية طريق الخرافة

وفي النهاية، أيدت المحكمة في مصر حكم الإعدام على الزوج في عام 2025، بعد ثبوت ارتكابه الجريمة، بينما ظلت الأم خارج دائرة الإدانة لعدم كفاية الأدلة.

لكن حتى بعد صدور الحكم، تبقى القصة أكبر من مجرد قضية جنائية؛ إنها صرخة ضد الدجل، وضد تصديق الخرافات، وضد الطمع الذي قد يحول الإنسان إلى قاتل وهو يطارد سرابًا.

عندما يصبح الجهل أخطر من الجن

قصة دنيا في الفيوم ليست حكاية عن كنز، بل عن عقل غاب، وطمع استيقظ، وخرافة تحولت إلى سلاح.

فالزوج لم يجد ذهبًا، ولم يفتح باب كنز، لكنه أغلق باب بيت كامل، وترك خلفه أطفالًا بلا أم، واسمًا سيظل مرتبطًا بجريمة صنعتها الأوهام.

وفي النهاية، ربما تكون العبارة الأصدق في هذه المأساة: العفاريت تستغيث من أفعال البشر، لأن ما فعله الجهل والطمع في هذه الجريمة كان أبشع من كل حكايات الرعب التي يخترعها الناس عن الجن والكنوز.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.