في عالم شديد التشابك، لا يمكن فصل الاقتصاد الأمريكي عن نظيره الأوروبي بسهولة. ملايين الأوروبيين يستخدمون برامج مايكروسوفت يوميًا، ويدفئون منازلهم بالغاز الطبيعي الأمريكي، ويستثمرون في الأسهم الأمريكية، بينما يعتمد الأمريكيون على البرمجيات الألمانية، والنبيذ الفرنسي، والأدوية الأوروبية.
هذا الاعتماد المتبادل، الذي شكّل لعقود أساس التحالف عبر الأطلسي، دخل مرحلة غير مسبوقة من التوتر في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي اتسمت بالتهديد بالرسوم الجمركية، واستخدام النفوذ الاقتصادي كأداة ضغط سياسي مباشر.
ورغم تراجع ترامب مؤخرًا عن تهديده بفرض رسوم إضافية على دول أوروبية لإجبارها على تقديم تنازلات تتعلق بغرينلاند، فإن هذه الأزمة مثّلت جرس إنذار حقيقيًا لصنّاع القرار في بروكسل، ودفعهم لإعادة التفكير في حدود الصبر الأوروبي وأدوات الرد الممكنة.
اقتصاد ضخم يتحول إلى أداة ضغط
يتم تداول سلع وخدمات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بقيمة تتجاوز 5.4 مليار دولار يوميًا، مدعومة باستثمارات عابرة للحدود توفّر ملايين الوظائف.
لكن هذا التدفق الاقتصادي الهائل، الذي كان يُنظر إليه كضمانة للاستقرار، بدأ يُعاد تفسيره أوروبيًا بوصفه مصدر قوة محتمل يمكن استخدامه للضغط على واشنطن إذا استمرت في تجاهل الشراكة المتكافئة.
وفي هذا السياق، أعلن قادة الاتحاد الأوروبي عزمهم الاجتماع في بروكسل للتنسيق بشأن “الخطوات المستقبلية”، في رسالة سياسية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن مرحلة الاكتفاء بالتحذير اللفظي قد انتهت.
قلق عابر للأطلسي
يرى إيان بوند، نائب مدير مركز الإصلاح الأوروبي، أن ما شهدته العلاقات الأمريكية الأوروبية خلال الأسابيع الماضية يُعد أخطر أزمة عبر أطلسية منذ سنوات طويلة، مؤكدًا أن وجود ترامب في البيت الأبيض يعني أن هذه التوترات مرشحة للتكرار لا للتراجع.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا محوريًا:
كيف يمكن لأوروبا ردع شريك لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ويتجاهل النظام الاقتصادي العالمي، ويتوقع من حلفائه الخضوع لإرادته السياسية؟
السندات الأمريكية.. ورقة مالية حساسة
من أخطر أوراق الضغط المتاحة أمام أوروبا القطاع المالي.
فالولايات المتحدة تعاني من عجز مالي متصاعد، وتعتمد بشكل كبير على الدائنين الأجانب، وعلى رأسهم المستثمرون الأوروبيون الذين يمتلكون سندات خزانة أمريكية تُقدَّر بنحو تريليوني دولار.
ويحذر ريتشارد بورتس، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للأعمال، من أن أي إشارة أوروبية لتقليص شراء هذه السندات قد تؤدي إلى رفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، وهو ما يمثل نقطة ضعف اقتصادية حقيقية لواشنطن، حتى لو لم تُنفذ الخطوة فعليًا.
قطاع الخدمات.. القوة والقيود
يمثل الاتحاد الأوروبي سوقًا استهلاكية تتجاوز 450 مليون نسمة، وتحقق الشركات الأمريكية فيها أرباحًا ضخمة.
فقد اشترى الاتحاد الأوروبي خدمات أمريكية بنحو 300 مليار دولار في عام واحد، مقابل صادرات أوروبية أقل إلى الولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن هذا الفائض الأمريكي يمنح أوروبا ورقة ضغط قوية، عبر تقييد دخول بعض الخدمات، لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، إذ إن تقييد الخدمات الرقمية الأمريكية، خاصة المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، قد يضر بالقدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي نفسه.
الضرائب الرقمية.. مواجهة غير مباشرة
بدلًا من الحظر، قد تلجأ أوروبا إلى زيادة الضرائب على الخدمات الرقمية الأمريكية، وهو ما فعلته بالفعل دول مثل فرنسا وبريطانيا.
لكن هذه الخطوة أثارت غضب إدارة ترامب، التي اعتبرت السياسات الأوروبية في قطاع التكنولوجيا تمييزية وغير عادلة، ما ينذر بتصعيد متبادل في ساحة الاقتصاد الرقمي.
اختبار المصداقية الأوروبية
التحدي الأكبر لا يكمن في امتلاك أدوات الضغط، بل في القدرة على استخدامها.
فقد سخر مسؤولون أمريكيون من بطء وتعقيد آليات صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي، معتبرين أن بروكسل تميل إلى تشكيل لجان ومجموعات عمل بدل اتخاذ قرارات حاسمة.
وقد تجلّى هذا الضعف عندما صوّت البرلمان الأوروبي على تأجيل التصديق على اتفاقية تجارية مهمة مع دول من أمريكا الجنوبية، في خطوة اعتُبرت انتكاسة لمساعي تنويع الشراكات بعيدًا عن واشنطن.
اوربا مقيدة بالانقسام الداخلي والخوف من الإضرار باقتصادها
يكشف الصراع الأمريكي الأوروبي في عهد ترامب عن معادلة دقيقة:
أوروبا تمتلك أوراق ضغط اقتصادية ومالية حقيقية، لكنها مقيدة بالانقسام الداخلي والخوف من الإضرار باقتصادها. وبين الرغبة في الردع والحذر من التصعيد، تقف بروكسل أمام اختبار تاريخي لإعادة تعريف علاقتها بواشنطن، ليس بوصفها تابعًا، بل كشريك قادر على فرض التوازن.



