الثلاثاء، ١٧ مارس ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٦ م

الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران.. سيناريوهات ما بعدأغتيال علي لاريجاني

الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران.. كيف ستُعاد صياغة خرائط القوة والتحالفات بعد سقوط علي لاريجاني؟

لم تعد القضية في الشرق الأوسط مجرد جولة قتال جديدة يمكن احتواؤها بوساطات سريعة، ولا مجرد تصعيد عسكري ينتهي بوقف إطلاق نار يعيد الجميع إلى المربع الأول. ما يجري الآن يبدو أقرب إلى لحظة تأسيسية جديدة تعيد رسم موازين القوة، وتعيد تعريف الردع، وتفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف في خرائطه الأمنية والاقتصادية والسياسية. هذا الانطباع تعززه تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قال بوضوح إن الشرق الأوسط “لن يكون كما كان” بعد الحرب، وإن منطق “الحرب ثم وقف إطلاق النار ثم التفاوض” لم يعد مقبولاً من وجهة نظر طهران. في الوقت نفسه، أعلنت إسرائيل مقتل علي لاريجاني، بينما ظلت إيران، حتى وقت نشر التقارير الغربية، من دون تأكيد رسمي قاطع لذلك، ما يجعل الحدث في حد ذاته جزءاً من معركة الإدراك والرسائل السياسية بقدر ما هو تطور أمني ميداني.

الأهمية الاستثنائية لهذه اللحظة لا ترتبط فقط باسم علي لاريجاني، بل بدلالته داخل بنية الدولة الإيرانية. فالرجل، بحسب تقارير دولية، كان من أبرز الشخصيات التي تربط بين المؤسسة الأمنية والسياسية والدبلوماسية داخل النظام الإيراني، وغيابه المحتمل لا يعني مجرد خسارة مسؤول كبير، بل احتمال انكماش مساحة البراغماتية داخل طهران لصالح صعود تيار أكثر تشدداً وأقل استعداداً للمناورة السياسية. ولهذا فإن تصريحات قاليباف لا ينبغي قراءتها باعتبارها رد فعل عاطفياً على ضربة إسرائيلية فقط، بل باعتبارها مؤشراً على مزاج استراتيجي إيراني جديد يتشكل تحت النار.

أولاً: ماذا تعني تصريحات قاليباف سياسياً؟

حين يقول قاليباف إن الولايات المتحدة “لن تحقق مبتغاها”، وإن التهديد يجب أن “يزال نهائياً”، فهو يوجه ثلاث رسائل متزامنة. الرسالة الأولى داخلية، ومفادها أن الدولة الإيرانية لن تظهر بمظهر المنكسر أو المستعد لتنازلات سريعة بعد الضربات الأخيرة. الرسالة الثانية إقليمية، ومضمونها أن طهران تنوي تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة فرض قواعد أمنية جديدة في الخليج والمشرق. أما الرسالة الثالثة فهي دولية، وتستهدف واشنطن تحديداً، لتقول إن الضغط العسكري لن يقود تلقائياً إلى تسوية بشروط أمريكية أو إسرائيلية. هذا ينسجم مع تقارير حديثة أفادت بأن طهران رفضت عروض خفض التصعيد، وأن القيادة الإيرانية الجديدة تميل إلى ربط أي تهدئة باعتراف الخصوم بالفشل وتقديم تعويضات، لا بمجرد العودة إلى طاولة تفاوض تقليدية.

المعنى الأعمق هنا أن طهران تحاول الانتقال من موقع “الدفاع عن النفس” إلى موقع “إعادة تعريف النظام الإقليمي”. أي أنها لا تريد فقط الصمود، بل تريد أن تخرج من الحرب بفكرة تقول إن أمن المنطقة يجب أن يُدار من داخلها، وأن الوجود العسكري الأمريكي نفسه أصبح جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل. وإذا ترسخ هذا المنظور في الخطاب الإيراني الرسمي، فسنكون أمام مقاربة أكثر صدامية مع الشبكة الأمنية التي بنتها واشنطن في الخليج خلال عقود.

                                                  لارجاني وبوتن

ثانياً: سقوط لاريجاني.. ضربة للنظام أم بوابة لتشدد أكبر؟

حتى الآن، توجد نقطة بالغة الأهمية يجب عدم تجاهلها: إسرائيل أعلنت مقتل علي لاريجاني، لكن إيران لم تؤكد ذلك رسمياً في كل التقارير الموثوقة المتاحة حتى الآن. لذا فالقراءة الرصينة تقتضي التعامل مع الخبر بوصفه إعلاناً إسرائيلياً لم يحسم نهائياً من الجانب الإيراني وقت التغطية. ومع ذلك، فإن مجرد استهدافه بهذا المستوى يكشف حجم الاختراق الأمني، وحجم الرهان الإسرائيلي على ضرب الحلقة العليا في صنع القرار الإيراني.

إذا تأكدت وفاة لاريجاني، فالتداعيات ستكون كبيرة. فالرجل، وفق تقارير تحليلية، كان يُنظر إليه بوصفه واحداً من آخر الجسور بين منطق الدولة ومنطق الحرس الثوري، وبين البراغماتية التفاوضية والصلابة العقائدية. غيابه قد يدفع مركز الثقل أكثر نحو التيار الأمني العقائدي، ويقلص فرص إنتاج تسوية قريبة عبر شخصيات لديها خبرة تفاوضية وقدرة على التفاهم مع العواصم الكبرى أو حتى مع قوى إقليمية مترددة. بعبارة أخرى، قد لا يؤدي سقوطه إلى إضعاف إيران بالمعنى السياسي المباشر، بل إلى جعلها أكثر تصلباً وأقل قابلية للاحتواء.

ثالثاً: مضيق هرمز.. من ممر اقتصادي إلى ورقة إعادة تشكيل الردع

إشارة قاليباف إلى أن أمن مضيق هرمز “لن يعود كما كان” ليست تفصيلاً خطابياً. فالتطورات الأخيرة أظهرت بالفعل أن الخليج دخل مرحلة جديدة من القلق الاستراتيجي. رويترز ذكرت أن إيران فرضت قيوداً كبيرة على حركة الشحن عبر المضيق، وأن دول الخليج بدأت تكثف استخدام مسارات بديلة، مثل خط الشرق-الغرب السعودي وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي، لتقليل الاعتماد على هرمز. كما دخل العراق في محادثات مع إيران لضمان مرور ناقلاته، في مؤشر واضح على أن المضيق لم يعد مجرد ملف ملاحة، بل أصبح ورقة ضغط جيوسياسي يومية.

هذا يعني أن تصريحات قاليباف قد تدفع القوى الإقليمية إلى مراجعة حساباتها على مستويين. الأول أمني، عبر زيادة التنسيق البحري، ورفع الجاهزية حول البنى التحتية للطاقة. والثاني اقتصادي، عبر تسريع الاستثمار في مسارات التصدير البديلة والموانئ المطلة على البحر الأحمر أو بحر العرب. وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن النفوذ الإيراني لن يُقاس فقط بما يملكه من صواريخ ووكلاء، بل أيضاً بقدرته على جعل كلفة الطاقة والتجارة العالمية جزءاً من معادلة الردع.

رابعاً: كيف ستتأثر التحالفات الإقليمية؟

1) تحالفات الخليج: من التوازن إلى التحوط

أغلب العواصم الخليجية ستتجه، على الأرجح، إلى سياسة “التحوط المزدوج”: أي الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن، مع الإبقاء في الوقت نفسه على قنوات اتصال مع طهران لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. السبب بسيط: الحرب أثبتت أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لا يضمن الاستقرار المطلق، كما أن القطيعة الكاملة مع إيران ترفع كلفة المخاطر على الطاقة والممرات البحرية.

2) إسرائيل: تكتيكياً أقوى.. استراتيجياً أمام بيئة أكثر عدائية

إسرائيل قد تبدو في المدى القصير أكثر قدرة على الضرب والوصول إلى العمق الإيراني، لكن البيئة الإقليمية الناتجة عن هذه الحرب قد تصبح أكثر سيولة وخطورة. فنجاحها في استهداف قيادات إيرانية كبرى قد يدفع طهران إلى توسيع مفهوم الرد غير المباشر، وإعادة تنشيط ساحات إقليمية متعددة بطريقة أكثر جرأة. أي أن التفوق العملياتي الإسرائيلي قد يقابله اتساع في دوائر التهديد المحيطة به.

 

3) تركيا ومصر والقوى العربية المركزية

الدول العربية المركزية وتركيا ستقرأ المشهد من زاوية مختلفة: كلما زادت الفوضى الإقليمية، ارتفعت قيمة الدول القادرة على لعب دور “الموازن” أو “الوسيط الصلب”. لذلك قد نرى في مرحلة ما بعد الحرب محاولة من هذه العواصم لتثبيت توازن جديد يمنع الانهيار الشامل، خصوصاً إذا دخلت الملاحة والطاقة واللاجئون والأسواق في دائرة التأثر المباشر. هذه ليست نتيجة مؤكدة من التقارير، لكنها استنتاج سياسي منطقي من اتساع نطاق الحرب وتكاليفها الإقليمية. والاستنتاج هنا يظل تحليلاً مبنياً على الوقائع المذكورة، لا خبراً مؤكداً بحد ذاته.

خامساً: السيناريوهات المتوقعة للشرق الأوسط بعد الحرب

السيناريو الأول: شرق أوسط الردع المتبادل الخشن

في هذا السيناريو، لا تنتهي الحرب بتسوية نهائية، بل بوقف قتال هش يعقبه سباق نفوذ أوسع. إيران تخرج أكثر تصلباً، وإسرائيل أكثر اندفاعاً في الضربات الوقائية، والخليج أكثر توتراً وميلاً للتحصين. هنا لا يكون السلام حقيقياً، بل مجرد هدنة مسلحة مفتوحة على انفجارات دورية. هذا السيناريو يبدو مرجحاً إذا بقي خطاب “لا تفاوض الآن” هو المسيطر داخل طهران.

السيناريو الثاني: إعادة هندسة الأمن الإقليمي

في هذا المسار، تدفع كلفة الحرب دول المنطقة إلى البحث عن نموذج أمني جديد أقل اعتماداً على واشنطن وأكثر اعتماداً على ترتيبات إقليمية مباشرة، سواء عبر تفاهمات بحرية، أو صيغ أمن جماعي، أو قنوات خفض تصعيد جديدة. تصريحات قاليباف عن الأمن الإقليمي الخالي من الهيمنة الأمريكية تصب في هذا الاتجاه، لكن نجاحه يحتاج قبولاً من خصوم إيران، وهو أمر غير مضمون حتى الآن.

السيناريو الثالث: انفجار ممتد وتفكك أوسع

وهو الأخطر، حيث تتحول الحرب من مواجهة بين دول إلى حالة فوضى ممتدة تضرب أسواق الطاقة والممرات البحرية وساحات الوكلاء في أكثر من بلد. هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالاً إذا استمر استهداف القيادات العليا، وتعطلت الملاحة في هرمز لفترة أطول، وفشلت أي وساطة في إنتاج قواعد اشتباك جديدة. المؤشرات الاقتصادية والميدانية الحالية تجعل هذا الاحتمال قائماً بجدية.

 ماذا تغيّر فعلاً؟

تصريحات قاليباف، سواء قرئت بوصفها تهديداً أو إعلان عقيدة جديدة، ستدفع جميع الأطراف إلى إعادة حساب استراتيجيات القوة والتحالفات. إيران تقول إنها لم تعد تقبل معادلة الضغط العسكري ثم التفاوض، ودول الخليج ترى أن هرمز لم يعد آمناً بالمعنى التقليدي، وإسرائيل تحاول تحويل الضربات النوعية إلى مكاسب استراتيجية طويلة المدى، بينما تبدو واشنطن أمام مشهد إقليمي أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة وأقل قابلية للضبط. هذا كله يعني أن السؤال لم يعد: هل ستنتهي الحرب؟ بل: بأي قواعد جديدة سيُدار الشرق الأوسط بعدها؟

الأرجح أن المنطقة بعد هذه الحرب ستكون أقل استقراراً، وأكثر اعتماداً على الردع الصلب، وأشد حساسية تجاه الطاقة والممرات البحرية، وأقرب إلى نظام تحالفات مرن ومتقلب لا يعرف الثبات الطويل. وإذا تأكد سقوط لاريجاني بالفعل، فقد تكون النتيجة الأهم ليست فقط خسارة رجل دولة، بل ولادة مرحلة إيرانية أشد خشونة وأقل استعداداً للعودة إلى دبلوماسية ما قبل الحرب.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.