الأحد، ٣ مايو ٢٠٢٦ في ١٢:٥١ ص

الشارقة وأبوظبي.. هل ترفض إمارة القواسم سياسات بن زايد؟

الشارقة في قلب الجدل.. خصوصية لا تعني انقسامًا معلنًا

 تحظي أمارة الشرقة في دولة الامارات العربية بحالة خاصة صنعها تاريخها السياسي وتعود إمارة الشارقة إلى دائرة الاهتمام كلما تصاعد الحديث عن التباينات داخل دولة الإمارات، خاصة مع انتشار منشورات ومقاطع على مواقع التواصل تزعم وجود خلافات حادة بين الشارقة وأبوظبي، أو تتحدث عن رفض حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للسياسات التي ينتهجها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. لكن التعامل الصحفي الدقيق مع هذا الملف يفرض التمييز بين ثلاثة أمور: خصوصية الشارقة الثقافية والاجتماعية، وطبيعة النظام الاتحادي الإماراتي، وما إذا كان هناك موقف رسمي معلن يثبت وجود رفض سياسي مباشر لنهج أبوظبي.

والنتيجة الأقرب، وفق المتاح من المصادر الرسمية والموثوقة، أن الشارقة تملك بالفعل شخصية محلية مختلفة وأكثر محافظة وثقافية، لكن لا توجد أدلة رسمية أو موثوقة تثبت أنها أعلنت رفضًا مباشرًا لسياسات محمد بن زايد أو خرجت على خط الدولة الاتحادي. فالإمارات، دستوريًا، تقوم على اتحاد يضم سبع إمارات، ويعد المجلس الأعلى للاتحاد، المكوّن من حكام الإمارات، أعلى سلطة اتحادية في الدولة.

نبذة عن إمارة الشارقة

الشارقة هي ثالث أكبر مركز حضري في الإمارات بعد دبي وأبوظبي، وتعد واحدة من الإمارات السبع المؤسسة للاتحاد. وتمتلك الإمارة موقعًا جغرافيًا مهمًا، إذ تطل على الخليج العربي وخليج عمان عبر مناطقها المختلفة، وتشتهر بدورها الثقافي والتعليمي، وبكثافة المتاحف والمؤسسات الأكاديمية والفعاليات الفنية.

وتُقدّم الشارقة نفسها منذ عقود بوصفها “العاصمة الثقافية” داخل الإمارات، أكثر من كونها مركزًا ماليًا أو سياحيًا صاخبًا على نمط دبي أو أبوظبي. وقد اختيرت الشارقة عاصمة للثقافة العربية عام 1998، كما ارتبط اسمها بمشروعات ثقافية وتعليمية كبرى، من بينها الجامعات والمتاحف ومعارض الكتب والفعاليات الفنية. وتشير اليونسكو إلى أن الشارقة لعبت دورًا ثقافيًا لافتًا بفضل توجهات حاكمها، كما تصفه بأنه شخصية مثقفة ومؤلف حاصل على درجتي دكتوراه في التاريخ والجغرافيا السياسية للخليج من جامعات بريطانية.

من هو حاكم الشارقة؟

يحكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد. وبحسب سيرته الرسمية، تولى حكم الإمارة في 25 يناير 1972، وهو الحاكم الثامن عشر للشارقة ضمن سلسلة حكام القواسم الممتدة منذ عام 1600. كما أصبح عضوًا في المجلس الأعلى للاتحاد وهو في الثانية والثلاثين من عمره.

ويمثل الشيخ سلطان حالة مختلفة داخل المشهد الخليجي؛ فهو ليس حاكمًا تنفيذيًا فقط، بل مؤرخ وكاتب وراعٍ لمشروعات ثقافية وتعليمية. وتذكر جامعة الشارقة أن مسيرته القيادية بدأت مبكرًا عندما ترأس بلدية الشارقة عام 1965، ثم تولى وزارة التربية والتعليم بعد قيام دولة الإمارات عام 1971، قبل أن يصبح حاكمًا للشارقة.

الشارقة.. إمارة الثقافة والمحافظة الاجتماعية

تتميز الشارقة بنمط اجتماعي محافظ مقارنة ببعض الإمارات الأخرى، وبخطاب رسمي يركز على الثقافة والتعليم والهوية العربية والإسلامية. وهذا الاختلاف جعل كثيرين ينظرون إليها باعتبارها “الوجه الهادئ” أو “الثقافي” داخل الاتحاد، مقابل صعود أبوظبي كقوة سياسية وعسكرية، ودبي كمركز اقتصادي وتجاري عالمي.

لكن هذا الاختلاف في الطابع المحلي لا يعني تلقائيًا وجود تمرد سياسي أو رفض رسمي لسياسات الدولة. فكل إمارة داخل الاتحاد تملك مساحة من الإدارة المحلية، ولها حاكمها ومؤسساتها المحلية، لكنها تشترك في الإطار الاتحادي العام، خصوصًا في ملفات السيادة الكبرى مثل السياسة الخارجية والدفاع والأمن العام.

كيف يعمل النظام الاتحادي الإماراتي؟

لفهم موقع الشارقة، يجب فهم تركيبة الإمارات نفسها. فالدستور الإماراتي ينص على أن المجلس الأعلى للاتحاد هو أعلى سلطة في الدولة، ويتكون من حكام الإمارات السبع، ولكل إمارة صوت واحد في مداولات المجلس.

كما تشير وزارة الخارجية الأسترالية في موجزها عن الإمارات إلى أن كل إمارة يحكمها حاكمها المحلي ولها حكومة ومحاكم وقوات شرطة محلية، بينما تقوم الدولة الاتحادية على مؤسسات تشمل المجلس الأعلى ومجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي.

هذا يعني أن الشارقة ليست مجرد محافظة تابعة لأبوظبي، بل إمارة ذات حكم محلي داخل اتحاد. لكنها في الوقت نفسه ليست دولة مستقلة خارج السياسة الاتحادية، ولا تستطيع رسميًا تبني سياسة خارجية منفصلة عن إطار الدولة دون أزمة دستورية كبرى.

هل ترفض الشارقة سياسات محمد بن زايد؟

السؤال الأكثر حساسية هو: هل ترفض الشارقة فعلًا السياسات التي ينتهجها محمد بن زايد؟

الإجابة الدقيقة: لا يوجد دليل رسمي موثوق يثبت أن حاكم الشارقة أعلن رفضًا مباشرًا أو تمردًا سياسيًا على سياسات محمد بن زايد. ما هو موثق أن الشارقة تملك خصوصية ثقافية ومحافظة، وأن الشيخ سلطان بن محمد القاسمي يقدم نموذجًا مختلفًا في إدارة الإمارة، يركز على التعليم والثقافة والرعاية الاجتماعية. لكن هذا لا يساوي إعلانًا سياسيًا ضد أبوظبي.

بل إن تصريحات حديثة منسوبة لحاكم الشارقة في وسائل إماراتية رسمية الطابع أشادت بقيادة الإمارات وقواتها المسلحة، وهو ما يتعارض مع الادعاءات المنتشرة على مواقع التواصل عن قطيعة أو رفض معلن. فقد نقلت “الإمارات اليوم” في أبريل 2026 تصريحات لحاكم الشارقة قال فيها إن الإمارات حباها الله بقيادة رشيدة وقوات مسلحة لا تنام، داعيًا بالحفظ والتوفيق.

لماذا تظهر شائعات عن خلاف الشارقة وأبوظبي؟

تنتشر هذه الشائعات غالبًا بسبب ثلاثة عوامل. الأول هو اختلاف صورة الشارقة عن صورة أبوظبي ودبي؛ فالشارقة تبدو أكثر محافظة وثقافة، بينما ترتبط أبوظبي بالقرار السياسي والأمني والعسكري للدولة. والثاني هو أن بعض المواقف الثقافية أو الاجتماعية لحاكم الشارقة تُفسر أحيانًا سياسيًا بشكل مبالغ فيه. والثالث هو استخدام منصات معارضة أو حسابات غير موثوقة لأي تباين داخلي لإنتاج روايات عن “تفكك الإمارات” أو “انفصال الشارقة”، وهي روايات لا تسندها وثائق رسمية معتبرة.

وهنا يجب الانتباه إلى أن وجود تمايز داخل الاتحاد لا يعني بالضرورة وجود صدام. الدول الاتحادية بطبيعتها تسمح بدرجات مختلفة من الخصوصية المحلية، وهذا ما ينطبق على الإمارات إلى حد كبير.

أين تختلف الشارقة عن أبوظبي؟

يمكن القول إن الشارقة تختلف في “النموذج المحلي” لا في “إعلان السياسة الخارجية”.
فالشارقة تميل إلى الاستثمار في الثقافة والتعليم والهوية، وتبني صورتها عبر الكتاب، والمسرح، والجامعات، والمتاحف، والحياة المحافظة. في المقابل، تمثل أبوظبي مركز الثقل السياسي والاقتصادي والعسكري في الدولة، ويتولى حاكمها الشيخ محمد بن زايد رئاسة الإمارات منذ انتخابه من المجلس الأعلى للاتحاد عام 2022. وتشير منصة حكومة الإمارات إلى أن حاكم أبوظبي الشيخ محمد بن زايد هو رئيس الدولة وحاكم أبوظبي.

هذا الفرق في الأدوار يخلق مسافة في الصورة العامة بين الإمارتين، لكنه لا يثبت وحده وجود رفض سياسي معلن.

هل يمكن أن تكون هناك تحفظات غير معلنة؟

في السياسة، قد توجد دائمًا تحفظات داخلية لا تظهر للرأي العام، خاصة داخل الدول الاتحادية والعائلات الحاكمة. لكن الصحافة الجادة لا تستطيع تحويل الاحتمالات إلى حقائق دون وثائق أو تصريحات أو مصادر موثوقة.

لذلك، يمكن القول إن الشارقة قد تملك رؤية محلية مختلفة في الثقافة والمجتمع والتنمية، لكن لا يمكن الجزم بأنها “ترفض سياسات بن زايد” إلا إذا صدر موقف رسمي أو ظهرت وثائق موثوقة تثبت ذلك. وما هو متاح حاليًا لا يكفي لتأكيد رواية الرفض أو الانقسام.

الشارقة بين الولاء الاتحادي والهوية الخاصة

أقرب توصيف للمشهد أن الشارقة تحافظ على هوية خاصة داخل الاتحاد الإماراتي. فهي ليست نسخة من أبوظبي ولا من دبي، بل إمارة ذات مشروع ثقافي ومحافظ. لكنها في الوقت نفسه جزء من بنية اتحادية، وحاكمها عضو في المجلس الأعلى للاتحاد، وهو المجلس الذي يضع السياسات العامة للدولة في المسائل الاتحادية.

ومن هنا، فإن أي قراءة تتحدث عن “رفض الشارقة لسياسات بن زايد” يجب أن تكون حذرة: هناك خصوصية، نعم. هناك تباين في الأولويات المحلية، نعم. أما وجود مواجهة سياسية معلنة أو رفض رسمي، فلا يوجد ما يثبته من المصادر الموثوقة المتاحة.

الشارقة : إمارة ثقافية، محافظة

تقدم الشارقة نموذجًا مختلفًا داخل الإمارات: إمارة ثقافية، محافظة، ذات حضور تعليمي ومعرفي قوي، يقودها حاكم مثقف ومؤرخ منذ أكثر من خمسة عقود. لكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أنها تقف في مواجهة مباشرة مع أبوظبي أو ترفض سياسات محمد بن زايد. فالوقائع الموثقة تشير إلى أن الشارقة تعمل ضمن الإطار الاتحادي الإماراتي، مع احتفاظها بشخصيتها المحلية الخاصة.

أما الروايات التي تتحدث عن تمرد الشارقة أو رفضها العلني لسياسات أبوظبي، فتحتاج إلى أدلة أقوى من منشورات التواصل أو التأويلات السياسية. وحتى الآن، لا يوجد دليل موثوق يثبت أن حاكم الشارقة أعلن رفضًا مباشرًا لنهج محمد بن زايد، بينما الثابت أن الإمارة تسعى إلى ترسيخ نموذجها الخاص في الثقافة والتعليم والهوية داخل الاتحاد الإماراتي.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.