الاثنين، ٢٢ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٣ م

السودان بعد الحرب.. هل تصنع السعودية حكومة مدنية متحالفة مع البرهان؟

السعودية والسودان.. من وساطة وقف الحرب إلى هندسة السلطة بعد المعركة

لم تعد السعودية تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة تحتاج فقط إلى وساطة جديدة أو جولة تفاوض إضافية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

فبعد سنوات من القتال، وتعثر المبادرات الإقليمية والدولية في فرض تسوية مستقرة، تبدو الرياض وكأنها انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدمًا، لا تركز فقط على إيقاف الحرب، بل على شكل السلطة التي ستخرج من تحت أنقاضها.

التحركات السعودية، بحسب تقارير متخصصة في الشأن الإفريقي، تكشف أن المملكة باتت تنظر إلى السودان من زاوية اليوم التالي للحرب، أي من سيحكم؟ وبأي شرعية؟ وكيف يمكن منع الفراغ السياسي من التحول إلى بوابة لنفوذ إقليمي منافس؟

تحول سعودي من الوساطة إلى صناعة الترتيبات

في بداية الحرب، تمحور الدور السعودي حول الوساطة، خاصة عبر مسار جدة الذي جمع ممثلين عن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بهدف الوصول إلى وقف إطلاق نار وتسهيل العمل الإنساني.

لكن مع مرور الوقت، واتساع رقعة القتال، وتراجع فرص التسوية السريعة، تغيرت طبيعة المقاربة السعودية.

لم يعد السؤال في الرياض هو: كيف نجمع الطرفين على طاولة واحدة؟

بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن ترتيب السلطة المقبلة في السودان بطريقة تضمن الاستقرار وتحفظ المصالح السعودية؟

حكومة مدنية بواجهة دولية وعمق عسكري

تدور الفكرة المطروحة حول تشكيل حكومة مدنية تحظى بقبول دولي واسع، وتكون قادرة على مخاطبة العواصم الغربية والمؤسسات الدولية بلغة السياسة والدبلوماسية.

لكن هذه الحكومة، وفق القراءة المتداولة، لن تكون انقلابًا كاملًا على نفوذ المؤسسة العسكرية، بل ستكون منسجمة مع رؤية قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

بهذا المعنى، لا تبدو الصيغة المطروحة انتقالًا حقيقيًا من حكم عسكري إلى حكم مدني كامل، بقدر ما تبدو إعادة ترتيب للعلاقة بين الواجهة المدنية ومركز القرار العسكري.

الشرعية المدنية كغطاء سياسي

تحتاج السلطة في السودان إلى غطاء مدني يمنحها قبولًا خارجيًا ويخفف الضغط الدولي.

فالحكم العسكري الصريح أصبح مكلفًا سياسيًا، خاصة أمام الغرب والمؤسسات المالية الدولية والمنظمات الأممية.

ومن هنا تظهر أهمية الواجهة المدنية: حكومة تستطيع تمثيل السودان خارجيًا، وفتح قنوات المساعدات والتمويل، وتقديم صورة أكثر قبولًا، بينما تبقى المؤسسة العسكرية صاحبة الكلمة العليا في الملفات الأمنية والسيادية.

لماذا تهتم السعودية بشكل السلطة في السودان؟

لا يمكن فهم التحرك السعودي بعيدًا عن الأهمية الاستراتيجية للسودان.

فالسودان ليس مجرد دولة تعاني من حرب داخلية، بل هو نقطة ارتكاز كبرى على البحر الأحمر، وبوابة بين القرن الإفريقي وإفريقيا جنوب الصحراء، وبلد يمتلك عمقًا زراعيًا وسكانيًا وجغرافيًا شديد الحساسية.

أي فراغ سياسي طويل في الخرطوم يعني فتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية للتدخل، سواء عبر السلاح أو التمويل أو التحالفات المحلية.

البحر الأحمر في قلب الحسابات السعودية

تنظر السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا مباشرًا من أمنها القومي.

ومن ثم، فإن وجود سلطة سودانية مستقرة أو على الأقل منسجمة مع المصالح السعودية، يمثل أولوية استراتيجية للرياض.

فالسودان يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وأي فوضى ممتدة داخله قد تنعكس على أمن الملاحة والتجارة والطاقة والموانئ السعودية.

التنافس الإقليمي على السودان

لم تعد الحرب السودانية صراعًا داخليًا فقط بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية معقدة.

هناك أطراف تبحث عن نفوذ سياسي، وأخرى عن مصالح اقتصادية، وثالثة عن موطئ قدم على البحر الأحمر، ورابعة عن أوراق ضغط في مواجهة خصومها.

في هذا السياق، تبدو السعودية حريصة على ألا تترك السودان يتحول إلى مساحة مفتوحة أمام منافسين إقليميين.

الرياض لا تريد فراغًا طويلًا في الخرطوم

الفراغ السياسي في السودان قد ينتج أكثر من خطر.

قد يؤدي إلى تقسيم فعلي للسلطة بين مناطق نفوذ عسكرية.

وقد يسمح بصعود قوى مسلحة أو قبلية أو أيديولوجية خارج السيطرة.

وقد يمنح خصوم السعودية فرصة لبناء نفوذ طويل الأمد داخل واحدة من أهم دول البحر الأحمر.

لذلك، تبدو الرياض وكأنها تتحرك مبكرًا لصناعة إطار سياسي يمكن التعامل معه دوليًا وإقليميًا.

البرهان في قلب المعادلة

يظل الفريق أول عبد الفتاح البرهان الشخصية المركزية في أي ترتيب سياسي قادم إذا استمرت الكفة العسكرية تميل لصالح الجيش السوداني.

فهو يقود المؤسسة العسكرية، ويمثل السلطة القائمة، ويمتلك شبكة علاقات إقليمية ودولية تجعله طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.

لكن المشكلة أن شرعية البرهان العسكرية وحدها لا تكفي لإعادة السودان إلى النظام الدولي أو لجذب الدعم الاقتصادي.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى صيغة مدنية متحالفة معه أو منسجمة مع رؤيته.

إعادة بناء الشرعية حول الجيش

الهدف الظاهر من هذه المقاربة ليس إخراج الجيش من السلطة، بل إعادة تقديمه بصورة أقل استفزازًا للمجتمع الدولي.

فالجيش يبقى حاضرًا كقوة حاكمة فعلية، لكن من خلف واجهة مدنية تمنح الحكم شكلًا أكثر قبولًا.

وهنا يكمن جوهر التحول: ليست المسألة تسليم السلطة للمدنيين، بل إعادة ترتيب السلطة بحيث تصبح أكثر قابلية للتسويق السياسي.

هل تحل الحكومة المدنية الأزمة أم تعيد إنتاجها؟

رغم أن فكرة الحكومة المدنية قد تبدو مخرجًا سياسيًا من الحرب، فإنها تحمل مخاطر كبيرة إذا لم تعالج جذور الأزمة.

فالسودان لا يعاني فقط من غياب حكومة مدنية، بل من انهيار عميق في بنية الدولة، وتعدد مراكز القوة، وتداخل السلاح بالسياسة، وانقسام اجتماعي وجغرافي واسع.

إذا جاءت الحكومة الجديدة كواجهة فوقية دون تفكيك أسباب الحرب، فقد تتحول إلى مجرد غطاء جديد لأزمة قديمة.

خطر إعادة إنتاج السلطة القديمة

أخطر ما في هذه الصيغة أنها قد تعيد إنتاج النظام نفسه بأدوات جديدة.

واجهة مدنية في الخارج، ومراكز قرار عسكرية في الداخل.

لغة سياسية أمام المجتمع الدولي، وميزان قوة حقيقي تحكمه البنادق على الأرض.

وفي هذه الحالة، قد يحصل السودان على اعتراف خارجي مؤقت، لكنه لن يحصل بالضرورة على استقرار داخلي دائم.

موقف القوى المدنية السودانية

القوى المدنية السودانية ستكون أمام اختبار صعب.

فبعض الشخصيات قد ترى في المشاركة فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنع انهيار الدولة، وفتح باب للحكم المدني التدريجي.

لكن آخرين قد يرون أن المشاركة في حكومة منسجمة مع الجيش تعني منح شرعية سياسية لسلطة عسكرية، وإضعاف فرص بناء انتقال ديمقراطي حقيقي.

الانقسام المدني المحتمل

إذا نجحت الرياض في جمع شخصيات مدنية حول البرهان، فقد يؤدي ذلك إلى انقسام جديد داخل المعسكر المدني.

فريق سيقبل بمنطق الواقعية السياسية.

وفريق سيرفض أي صيغة لا تنهي نفوذ المؤسسة العسكرية داخل الحكم.

وهذا الانقسام قد يضعف قدرة المدنيين على التفاوض، ويمنح الجيش مساحة أوسع لفرض شروطه.

السعودية بين الاستقرار والديمقراطية

تتعامل السعودية مع الملف السوداني من منظور الاستقرار أولًا.

فالرياض لا تريد دولة منهارة على البحر الأحمر، ولا تريد تمدد الفوضى، ولا تريد أن يتحول السودان إلى ساحة مفتوحة لقوى منافسة.

لكن هذا المنطق قد يصطدم بطموحات قطاعات سودانية واسعة تريد انتقالًا مدنيًا حقيقيًا، لا مجرد حكومة بواجهة مدنية فوق بنية عسكرية.

حسابات الأمن تتقدم على الشعارات

في الحسابات الإقليمية، غالبًا ما تتقدم اعتبارات الأمن على شعارات الديمقراطية.

وهذا ما يجعل المقاربة السعودية أكثر قربًا من الواقعية السياسية، لكنها في الوقت نفسه أكثر عرضة للانتقاد من القوى المدنية والحقوقية.

فالسؤال ليس فقط: من يستطيع حكم السودان؟

بل: هل يستطيع هذا الحكم بناء سلام حقيقي، أم سيؤجل الانفجار إلى مرحلة لاحقة؟

ما الذي تريده الرياض من السودان؟

يمكن تلخيص الأهداف السعودية في عدة نقاط رئيسية.

أولًا: منع تمدد الفوضى قرب البحر الأحمر.

ثانيًا: ضمان وجود سلطة سودانية قريبة من الرياض أو على الأقل غير معادية لها.

ثالثًا: تقليل نفوذ القوى الإقليمية المنافسة داخل السودان.

رابعًا: فتح الطريق أمام إعادة الإعمار والاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب.

خامسًا: إعادة السودان إلى مسار سياسي يمكن التعامل معه دوليًا.

السيناريوهات المقبلة

أمام السودان عدة سيناريوهات محتملة خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول: نجاح الصيغة السعودية

في هذا السيناريو، يتم تشكيل حكومة مدنية تحظى باعتراف دولي، وتعمل بالتنسيق مع البرهان والجيش.

قد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط الدولية، وفتح باب المساعدات، وإعادة قدر من الاستقرار الإداري.

لكن نجاح هذا السيناريو سيبقى محدودًا إذا لم يتضمن مسارًا حقيقيًا للمصالحة وإنهاء الحرب.

السيناريو الثاني: رفض مدني واسع

قد تواجه الصيغة المقترحة رفضًا من قوى مدنية تعتبرها محاولة لتجميل الحكم العسكري.

في هذه الحالة، ستفقد الحكومة الجديدة جزءًا كبيرًا من شرعيتها الداخلية، حتى لو حصلت على اعتراف خارجي.

وهذا قد يخلق أزمة شرعية مزدوجة بين الداخل والخارج.

السيناريو الثالث: استمرار الحرب وتآكل المبادرات

إذا لم تتغير موازين القوة على الأرض، فقد تستمر الحرب رغم كل الترتيبات السياسية.

وفي هذه الحالة، ستكون أي حكومة جديدة عاجزة عن فرض سلطتها على كامل البلاد، وسيبقى السودان مقسمًا فعليًا بين مناطق نفوذ متعددة.

تطور مرحلة الوساطة الي الهندسة

تكشف التحركات السعودية في السودان عن انتقال واضح من مرحلة الوساطة إلى مرحلة هندسة السلطة.

لم تعد الرياض تكتفي بمحاولة وقف إطلاق النار، بل باتت تنظر إلى شكل الحكم الذي سيأتي بعد الحرب، ومن سيحصل على الشرعية، ومن سيبقى ممسكًا بمراكز القرار الحقيقية.

المقاربة المطروحة تقوم على إنتاج حكومة مدنية تحظى بقبول دولي، لكنها لا تصطدم بالمؤسسة العسكرية، بل تعمل ضمن معادلة يكون فيها البرهان والجيش في قلب السلطة الفعلية.

هذه الصيغة قد تمنح السودان مخرجًا سياسيًا مؤقتًا، لكنها قد تتحول أيضًا إلى إعادة إنتاج للأزمة إذا لم تعالج جذور الحرب والانقسامات العميقة داخل الدولة.

وفي النهاية، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: متى تنتهي الحرب؟

بل أصبح: من سيكتب نظام السودان بعد الحرب؟ ومن سيمنح هذه السلطة شرعيتها؟

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.