الجمعة، ١٥ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٥ م

السعودية وإيران بين ميثاق عدم الاعتداء ورسائل التصعيد.. هل تختار الرياض التهدئة أم المواجهة؟

عاد ملف العلاقة بين السعودية وإيران إلى صدارة الجدل السياسي، بعدما تردد حديث عن مساعٍ سعودية لبحث ميثاق عدم اعتداء إقليمي مع طهران، في محاولة لخفض التوترات التي تهدد أمن الخليج وتدفقات الطاقة العالمية، وسط انتقادات حادة من دوائر أمريكية محافظة ترى أن هذا المسار قد يُفسَّر باعتباره تنازلًا أمام إيران، لا خطوة دبلوماسية لحماية المنطقة.

وجاء الجدل بعد تداول نص سياسي حاد اللهجة منسوب إلى صفحة داعمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هاجم ما وصفه بمحاولة الرياض دفع مسار سلام مع إيران، رغم ما تتعرض له المنطقة من تصعيد عسكري وأمني. ولم أجد مصدرًا رسميًا يؤكد أن النص منشور حرفيًا على حساب ترامب الرسمي، لكن مضمون القضية الأساسية، المتعلق ببحث السعودية ميثاقًا إقليميًا لعدم الاعتداء مع إيران على غرار اتفاق هلسنكي، ورد في تقارير إعلامية نقلًا عن مصادر دبلوماسية.

ميثاق عدم اعتداء على غرار هلسنكي

بحسب تقارير نقلت عن صحيفة فايننشال تايمز، ناقشت السعودية مع حلفائها إمكانية طرح اتفاق أمني إقليمي يضمن عدم الاعتداء بين دول الشرق الأوسط وإيران، مستلهمًا نموذج اتفاقيات هلسنكي لعام 1975 التي هدفت إلى خفض التوتر بين الكتلتين الغربية والسوفيتية خلال الحرب الباردة.

الفكرة، من حيث المبدأ، لا تبدو مجرد مصافحة دبلوماسية عابرة، بل محاولة لصياغة إطار أمني يخفف احتمالات الانزلاق إلى حرب مفتوحة، خصوصًا في منطقة تمثل قلب الطاقة العالمية، وتضم ممرات بحرية بالغة الحساسية مثل مضيق هرمز.

هل التهدئة ضعف أم حسابات دولة؟

النص المتداول استخدم لغة شديدة الهجوم، واعتبر أن السعودية “تتوسل” لإيران من أجل السلام، وهي صياغة سياسية دعائية أكثر منها توصيفًا دبلوماسيًا دقيقًا. فالسعودية، من منظور حسابات الدولة، قد ترى أن فتح قنوات خلفية مع إيران لا يعني التخلي عن الحلفاء، بل محاولة لمنع اتساع رقعة الحرب إلى أراضي الخليج.

لكن منتقدي هذا التوجه يرون العكس تمامًا؛ إذ يعتبرون أن إيران لا تفهم سوى لغة الردع، وأن أي اتفاق ورقي معها قد يمنحها وقتًا إضافيًا لترتيب أوراقها، بينما تستمر في دعم حلفائها وأذرعها في المنطقة.

                                             وزيري خارجية السعودية وإيران

خلفية ساخنة في الخليج

تأتي هذه التحركات وسط تصعيد إقليمي واسع، وتزايد القلق من تأثير المواجهات العسكرية على أمن الخليج وسلاسل الطاقة والتجارة. وكانت السعودية قد أكدت في مواقف سابقة أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة وفقًا للقانون الدولي، في ظل المخاوف من انعكاس التوترات على الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، يصبح أي حديث عن ميثاق عدم اعتداء جزءًا من محاولة أكبر لضبط قواعد الاشتباك، وتقليل احتمالات الخطأ العسكري أو سوء التقدير السياسي، خصوصًا عندما تكون المنطقة محاطة بتوتر أمريكي إيراني وإسرائيلي إيراني متصاعد.

البحرين والإمارات في زاوية أكثر تشددًا

النص المتداول قارن بين الموقف السعودي ومواقف خليجية أخرى، مشيرًا إلى تحركات البحرين ضد عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وإلى توتر العلاقات بين الإمارات وإيران. ورغم أن هذه المقارنة جاءت بلغة سياسية هجومية، فإنها تعكس وجود تباين في طرق التعامل الخليجي مع طهران: فهناك من يفضل تشديد الإجراءات الأمنية والدبلوماسية، وهناك من يفتح باب التهدئة المشروطة لتقليل كلفة الحرب.

وهذا التباين لا يعني بالضرورة انقسامًا، بقدر ما يعكس اختلافًا في الحسابات الجغرافية والاقتصادية والأمنية لكل دولة خليجية، خاصة أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون كلفتها واحدة على جميع الأطراف.

لماذا تخشى واشنطن من مسار التهدئة؟

الانتقادات الأمريكية المحافظة لأي تقارب سعودي إيراني تنبع من قناعة راسخة بأن إيران تمثل تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن احتواؤه بالاتفاقات وحدها. لذلك، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن فتح قنوات تفاوض مع طهران في لحظة التصعيد يمنحها شرعية سياسية، ويضعف جبهة الضغط الأمريكي الإسرائيلي عليها.

لكن من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن السعودية، بوصفها قوة إقليمية كبرى، تتحرك وفق حسابات أمنها المباشر، فهي معنية بمنع استهداف أراضيها ومنشآتها النفطية وممراتها التجارية، حتى لو اختلفت أدواتها عن الخطاب الأمريكي الأكثر صدامية.

اتفاق هلسنكي.. نموذج قابل للتطبيق أم وهم سياسي؟

استدعاء نموذج هلسنكي يحمل رمزية واضحة؛ فالاتفاق التاريخي في السبعينيات لم يُنهِ الحرب الباردة فورًا، لكنه فتح مسارًا لتقليل التوتر، ووضع قواعد للتعامل بين خصوم كبار. غير أن تطبيق نموذج مشابه في الشرق الأوسط يبدو أكثر تعقيدًا، لأن المنطقة لا تعاني فقط من صراع دول، بل من شبكات نفوذ عابرة للحدود، وميليشيات، وأزمات مذهبية وسياسية، وحروب بالوكالة.

لذلك، فإن نجاح أي ميثاق عدم اعتداء مع إيران سيحتاج إلى آليات رقابة وضمانات واضحة، وليس مجرد إعلان سياسي. كما سيحتاج إلى إجابات صعبة حول الملفات الأكثر اشتعالًا: اليمن، العراق، سوريا، لبنان، أمن الخليج، والممرات البحرية.

بين الردع والدبلوماسية

المعادلة الأصعب أمام السعودية اليوم هي الموازنة بين الردع والدبلوماسية. فالتصعيد وحده قد يفتح أبواب حرب لا يستطيع أحد التحكم في نتائجها، بينما التهدئة غير المشروطة قد تُقرأ باعتبارها تراجعًا أمام خصم إقليمي شرس.

ومن هنا، قد يكون المسار الأكثر واقعية هو الجمع بين الاثنين: الحفاظ على التحالفات الدفاعية، وتعزيز القدرات الأمنية، وفي الوقت نفسه إبقاء باب التفاوض مفتوحًا لمنع الانفجار الشامل.

لحظة فارقة في الخليج

الجدل حول ميثاق عدم الاعتداء بين السعودية وإيران يكشف لحظة فارقة في الخليج: هل تمضي المنطقة نحو ترتيبات أمنية جديدة تقوم على التهدئة وضبط الصراع؟ أم أن التصعيد سيظل هو اللغة الوحيدة الحاكمة بين طهران وخصومها؟

النص المتداول قدّم الموقف السعودي باعتباره ضعفًا، لكن القراءة الأوسع تقول إن الرياض تتحرك داخل حقل ألغام سياسي وأمني، تحاول فيه حماية مصالحها ومنشآتها واقتصادها، دون أن تغلق باب المواجهة أو تفرط في أوراق الضغط. ويبقى الحكم النهائي مرتبطًا بما إذا كان أي اتفاق محتمل سيحمل ضمانات حقيقية، أم سيكون مجرد ورقة سلام في منطقة لا تزال تعيش على حافة النار.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.