الدولار يعود للارتفاع في مصر ويتخطى 48 جنيهًا.. قراءة اقتصادية في الأسباب والتداعيات
عاد سعر صرف الدولار في مصر إلى الارتفاع مجددًا خلال تعاملات اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026، بعدما تجاوز حاجز 48 جنيهًا، ليسجل أعلى مستوى له منذ نحو خمسة أشهر، في تحرك يعكس تداخلًا معقدًا بين العوامل المحلية والدولية، ويعيد الجدل حول استقرار سوق الصرف في ظل بيئة مالية عالمية مضطربة.
التحرك لم يكن معزولًا، بل جاء متزامنًا مع موجة تخارج من أدوات الدين المحلية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وترقب قرار المجلس التنفيذي لـ صندوق النقد الدولي بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري.
أولًا: الأموال الساخنة.. المحرك الأسرع للتقلب

البيانات الصادرة عن السوق الثانوية لأدوات الدين المحلية كشفت عن عمليات بيع واسعة من مستثمرين أجانب وعرب في أذون الخزانة المصرية، تجاوزت 1.2 مليار دولار خلال يومين، بينها نحو 675 مليون دولار صافي تخارج في جلسة واحدة.
اقتصاديًا، هذا النوع من الاستثمارات – المعروفة بـ«الأموال الساخنة» – يتميز بسرعة الحركة وحساسيته الشديدة للمخاطر العالمية.
فعندما تتزايد درجة عدم اليقين، يتحول المستثمرون سريعًا إلى:
-
الدولار الأمريكي
-
السندات الأمريكية
-
الأصول منخفضة المخاطر
هذا التحول يولد طلبًا فوريًا على العملة الأمريكية داخل السوق المحلية بهدف تسييل الأصول وتحويلها إلى الخارج، ما يضغط مباشرة على سعر الصرف.
ثانيًا: العامل الجيوسياسي.. عندما تتحرك السياسة تهتز الأسواق
جاءت موجة التخارج متزامنة مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تطور يعيد إلى الواجهة سيناريوهات اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع علاوات المخاطر في الأسواق الناشئة.
في مثل هذه الأجواء، تتجه السيولة العالمية إلى ما يُعرف بـ"الهروب نحو الأمان"، ما يعني:
-
ارتفاع الطلب على الدولار عالميًا
-
ضغوط مؤقتة على عملات الدول الناشئة
-
تقليص الانكشاف الاستثماري على الأسواق عالية العائد
وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين الجغرافيا السياسية وسعر الصرف المحلي.
ثالثًا: أرقام البنوك.. صورة السوق في نهاية التعاملات
مع نهاية تعاملات اليوم، سجل الدولار مستويات متقاربة في البنوك الكبرى:
-
البنك الأهلي المصري وبنك مصر: 48.08 جنيه للشراء و48.18 جنيه للبيع
-
البنك التجاري الدولي: 48.04 جنيه للشراء و48.14 جنيه للبيع
-
بنك القاهرة: 48.07 جنيه للشراء و48.17 جنيه للبيع
بينما بلغ السعر داخل البنك المركزي المصري نحو 47.88 جنيه للشراء و48.02 جنيه للبيع.
الفروق المحدودة بين البنوك تعكس أن السوق لا تزال تعمل ضمن آلية مرنة، دون وجود فجوات سعرية كبيرة تشير إلى اضطراب هيكلي.
رابعًا: صندوق النقد الدولي.. عنصر الثقة الحاسم
الارتفاع الحالي يتزامن مع اجتماع المجلس التنفيذي لـ صندوق النقد الدولي لمناقشة اعتماد المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري.
في حال الموافقة، من المنتظر أن تحصل مصر على نحو 2.3 مليار دولار، تشمل شريحتين من برنامج القرض البالغ 8 مليارات دولار، إضافة إلى تمويل من برنامج الصمود والاستدامة.
اقتصاديًا، ضخ هذه السيولة يمثل:
-
دعمًا مباشرًا للاحتياطيات الأجنبية
-
تعزيزًا لثقة المستثمرين
-
عامل تهدئة محتمل لتقلبات سوق الصرف
وغالبًا ما تتحرك الأسواق استباقيًا قبل صدور القرار الرسمي.

خامسًا: هل نحن أمام موجة مؤقتة أم اتجاه هيكلي جديد؟
توقعات تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد في أكتوبر 2025 أشارت إلى احتمال بلوغ متوسط سعر الدولار نحو 54.05 جنيه خلال 2026 إذا استمرت الضغوط العالمية.
لكن من المهم التمييز بين:
تحركات قصيرة الأجل مدفوعة بتدفقات رأسمالية سريعة
اتجاهات هيكلية مرتبطة بميزان المدفوعات والإنتاج والتصدير
الارتفاع الحالي يحمل سمات صدمة سيولة مؤقتة أكثر من كونه تحولًا جذريًا في الأساسيات الاقتصادية، خاصة إذا عادت التدفقات الأجنبية واستقرت البيئة الجيوسياسية.
السيناريوهات المحتملة للفترة المقبلة
سيناريو الاستقرار النسبي:
موافقة صندوق النقد وعودة تدريجية للتدفقات → تراجع الضغوط واستقرار الدولار ضمن نطاق 47–50 جنيهًا.
سيناريو الضغوط الممتدة:
تصاعد التوترات العالمية واستمرار التخارج → تحرك تدريجي نحو مستويات أعلى.
سيناريو التدخل المنظم:
تدخل مرن من البنك المركزي لاحتواء التقلبات الحادة ومنع القفزات المفاجئة.
الخلاصة الاقتصادية
ما يحدث في سوق الصرف المصري هو انعكاس مباشر لبيئة عالمية شديدة الحساسية لرأس المال قصير الأجل.
الدولار تجاوز 48 جنيهًا، لكن السؤال الأهم ليس الرقم، بل طبيعة التدفقات:
هل ستعود الأموال الساخنة سريعًا؟
أم أن الأسواق الناشئة ستدخل مرحلة أطول من إعادة التسعير للمخاطر؟
الإجابة ستحدد اتجاه الجنيه خلال الأشهر القادمة، في ظل معادلة دقيقة بين الثقة والسيولة والجغرافيا السياسية.


