أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن نصف الكرة الغربي يُعد «منطقة نفوذ خاصة بالولايات المتحدة»، في تصريح أثار موجة واسعة من الجدل السياسي والدبلوماسي، وجاء بعد أيام قليلة من العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية.
ويُنظر إلى هذا الإعلان باعتباره تحولًا صريحًا في الخطاب الأمريكي، يعيد إحياء مفاهيم الهيمنة التقليدية في السياسة الخارجية، ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي، في ظل اعتراضات داخلية أمريكية وتحذيرات دولية من تداعيات التصعيد.
بيان مقتضب ورسالة حادة عبر «إكس»
وقالت الخارجية الأمريكية في بيان مقتضب نشرته عبر منصة «إكس»:
«هذا هو نصف الكرة الخاص بنا، والرئيس ترامب لن يسمح بتهديد أمننا».
وأرفقت الوزارة البيان بصورة بالأبيض والأسود للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مناسبة رسمية، تصدّرها شعار مكتوب باللونين الأبيض والأحمر:
«هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا»، في رسالة وُصفت بأنها ذات طابع سياسي وأيديولوجي حاد.
تعزيز لتصريحات واشنطن في الأمم المتحدة
ويأتي هذا الإعلان امتدادًا لتصريحات المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، الذي أكد خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي أن واشنطن «لن تسمح للخصوم والمنافسين باستغلال نصف الكرة الغربي لتحقيق مآربهم».
وشدد والتز على أن أي محاولات نفوذ من قوى دولية منافسة في أمريكا اللاتينية أو الكاريبي ستُقابل بإجراءات حازمة، معتبرًا أن أمن الولايات المتحدة يبدأ من محيطها الجغرافي المباشر.
ترامب يعيد إحياء «مبدأ مونرو» بصيغة جديدة
التصريحات الأمريكية الأخيرة أعادت إلى الواجهة «مبدأ مونرو»، الذي يُعد أحد أقدم ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر، وينص على اعتبار القارة الأمريكية منطقة مغلقة أمام التدخلات الخارجية، مع احتفاظ واشنطن بدور قيادي حصري فيها.
غير أن الرئيس دونالد ترامب ذهب أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن مبدأ مونرو «لم يعد كافيًا بصيغته التقليدية»، وألمح إلى إعادة تسميته بـ «مبدأ دونرو»، في إشارة إلى اسمه، بما يعكس – وفق مراقبين – نزعة أكثر صراحة في فرض الهيمنة الأمريكية المباشرة على نصف الكرة الغربي.
وكان ترامب قد دعا في وقت سابق إلى «عدم نسيان مبدأ مونرو»، معتبرًا أن التهاون في تطبيقه سمح لقوى منافسة بالتمدد في مناطق تُعد حيوية للأمن القومي الأمريكي.
فنزويلا تحت الإدارة الأمريكية المؤقتة
وفي تطور غير مسبوق، أعلن ترامب يوم السبت الماضي أن الولايات المتحدة «ستدير فنزويلا خلال فترة انتقالية»، عقب العملية العسكرية في العاصمة كاراكاس واعتقال مادورو وزوجته.
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن شركات أمريكية ستتولى استغلال النفط الفنزويلي، الذي يُعد الأكبر عالميًا من حيث الاحتياطيات، معتبرًا ذلك «تعويضًا عن الأضرار التي سببتها فنزويلا للولايات المتحدة»، في تصريح أثار عاصفة من الانتقادات داخل وخارج أمريكا.
انتقادات داخل الكونغرس الأمريكي
لم تمر العملية العسكرية والتصريحات اللاحقة دون اعتراض داخلي، إذ وصف عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي العملية بأنها «غير قانونية»، محذرين من أنها قد تشكل سابقة خطيرة في تجاوز القانون الدولي، وتفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد في أمريكا اللاتينية.
وطالب بعض النواب بفتح تحقيقات حول الأسس القانونية للعملية، ومدى توافقها مع الدستور الأمريكي وصلاحيات الرئيس في استخدام القوة خارج البلاد.
رد روسي وتحذير من التصعيد
من جانبها، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «تضامنها مع شعب فنزويلا»، وعن «قلقها الشديد» إزاء تقارير تفيد بترحيل مادورو وزوجته قسرًا إلى الولايات المتحدة.
ودعت موسكو إلى الإفراج عنهما فورًا، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، ويُقوّض أسس النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول.
دلالات استراتيجية خطيرة
يرى محللون أن إعلان نصف الكرة الغربي «منطقة نفوذ مطلق» للولايات المتحدة يمثل:
-
عودة صريحة لسياسات الهيمنة الإقليمية.
-
رسالة ردع موجهة لروسيا والصين تحديدًا.
-
تصعيدًا قد يعيد تشكيل خريطة النفوذ في أمريكا اللاتينية.
-
اختبارًا جديدًا لفاعلية القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة.
كما يحذر خبراء من أن هذه السياسة قد تدفع دول المنطقة إلى سباق تحالفات مضادة، وتزيد من حدة الاستقطاب الدولي في مرحلة تتسم أصلًا بتوترات عالمية متصاعدة.
المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة
بين إعادة إحياء مبدأ مونرو بصيغة أكثر تشددًا، والعملية العسكرية في فنزويلا، والاعتراضات الدولية، يبدو أن نصف الكرة الغربي مقبل على مرحلة مفصلية في علاقاته مع واشنطن، مرحلة قد تُعيد رسم قواعد النفوذ والصراع لعقود مقبلة.


