السبت، ٢١ فبراير ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٥ م

التنظيم الذي سقط يعود بالتهديد.. هل يستغل داعش التحولات السورية لإحياء مشروعه من جديد؟

عودة داعش بتهديدات جديدة إلى دمشق.. تحليل لخلفيات التنظيم وتطور مراحله ورسائله السياسية الأخيرة

في تطور جديد بكشف استمرار حضور تنظيم داعش في المشهد الأمني السوري بث تنظيم "داعش" الأرهابي  المحظور في روسيا تسجيلًا صوتيًا منسوبًا إلى متحدثه الملقب بـ"أبو حذيفة الأنصاري"، تضمّن تهديدًا مباشرًا للحكومة السورية الحالية، وهاجم ما وصفه بـ"الحكم العلماني المرتد" علي حد وصف صاحب الرسالة الصوتية  داعيًا إلى قتال السلطة في دمشق.

لم تكن  الرسالة الصوتية مجرد تهديد عابر- بل حملت أبعادًا سياسية وأيديولوجية واضحة  وأعادت إلى الواجهة سؤالًا مهمًا: هل لا يزال تنظيم داعش قادرًا على إعادة التموضع والتأثير في المعادلة السورية؟ وما خلفية هذا التنظيم؟ وكيف تطورت مراحله منذ التأسيس وحتى اليوم؟

أولًا: مضمون التهديد الأخير.. رسائل سياسية مشفرة

وصف  التسجيل الصوتي المتحدث المنسوب للتنظيم الحكومة السورية بأنها "حكومة علمانية مرتدة"، واعتبر أن نهاية الرئيس السوري أحمد الشرع "لن تختلف عن نهاية بشار الأسد"، في إشارة رمزية تهدف إلى التشكيك في شرعية السلطة الحالية.

 وقالت الرسالة الصوتية    أن سوريا "خرجت من الحكم الإيراني إلى الحكم التركي الأمريكي"  في خطاب يعكس محاولة داعش تصوير السلطة ككيان تابع لقوى خارجية، وهو خطاب يتكرر في أدبيات التنظيم منذ سنوات لتبرير العمل المسلح تحت شعار "مقاومة الاحتلال المتعدد".

وهاجم المتحدث في رسالتة الصوتية ما سماه "نظام الجولاني"، معتبرًا أنه خاضع للنفوذ الأمريكي، واصفًا عملية "ردع العدوان" بأنها "مسرحية تركية بإخراج أمريكي"، في محاولة لضرب شرعية أي ترتيبات سياسية أو أمنية قائمة.

هذه اللغة ليست جديدة على تنظيم داعش، لكنها تكشف عن استراتيجية دعائية تقوم على:

 

شرعية الدينية عن الأنظمة القائمة.

تصوير الصراع كحرب وجودية عقائدية.

تحفيز الخلايا النائمة لإعادة النشاط.

ثانيًا: خلفية تنظيم داعش.. من العراق إلى إعلان "الخلافة"

يعود الجذر التاريخي لتنظيم داعش إلى مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث برز تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي.

 مرحلة "القاعدة في العراق"

ركزت العمليات في هذه المرحلة على استهداف القوات الأمريكية وإشعال الفتنة الطائفية.

مرحلة "الدولة الإسلامية في العراق"

بعد مقتل الزرقاوي عام 2006، أُعلن قيام "الدولة الإسلامية في العراق"، في محاولة لإعطاء التنظيم طابعًا سياسيًا-إداريًا.

التوسع إلى سوريا وإعلان "الدولة الإسلامية في العراق والشام"

مع اندلاع الحرب السورية، استغل التنظيم الفوضى الأمنية ليتوسع في الأراضي السورية، ليعلن عام 2013 قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

 إعلان "الخلافة" عام 2014

في لحظة مفصلية، أعلن زعيم التنظيم آنذاك أبو بكر البغدادي قيام "الخلافة" من مدينة الموصل، في مشهد هزّ المنطقة والعالم، وسيطر التنظيم في ذروته على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

ثالثًا: سقوط الدولة وبداية التحول إلى العمل السري

مع تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتكثيف العمليات العسكرية في العراق وسوريا، فقد التنظيم معاقله الرئيسية تباعًا، حتى سقط آخر جيوبه في الباغوز عام 2019.

منذ ذلك الحين، تحوّل داعش من "تنظيم دولة" يسيطر على أراضٍ، إلى:

شبكات لامركزية.

خلايا نائمة.

عمليات كرّ وفرّ.

نشاط إعلامي دعائي مستمر.

ورغم خسارته الجغرافيا، حافظ التنظيم على بنيته الفكرية، واستمر في تنفيذ هجمات متفرقة في البادية السورية والعراق، مستفيدًا من الفراغات الأمنية.

رابعًا: لماذا يعود الخطاب التصعيدي الآن؟

الرسالة الأخيرة قد ترتبط بعدة عوامل:

 1. محاولة إعادة إثبات الوجود

في ظل تراجع حضوره الإعلامي، يسعى التنظيم إلى إعادة لفت الانتباه عبر تهديد مباشر للسلطة.

 2. استثمار التحولات السياسية في سوريا

أي تغيير في المشهد السياسي يمثل فرصة للتنظيم لإعادة طرح نفسه كبديل "جهادي".

 3. تعبئة القواعد المتشددة

الخطاب المتشدد ضد "الحكم التركي الأمريكي" يهدف إلى جذب عناصر ناقمة على الترتيبات الإقليمية.

خامسًا: هل يشكل داعش تهديدًا فعليًا اليوم؟

رغم الضربات القاسية التي تعرض لها، لا يزال التنظيم يشكل خطرًا أمنيًا لعدة أسباب:

وجود مقاتلين سابقين لم تتم إعادة تأهيلهم.

مخيمات احتجاز تضم عائلات وعناصر متشددة.

صعوبات اقتصادية وأمنية في مناطق مختلفة.

قابلية بعض البيئات للخطاب المتطرف.

لكن في المقابل، يفتقر التنظيم اليوم إلى:

سيطرة إقليمية واضحة.

قيادة كاريزمية مؤثرة مثل البغدادي.

موارد مالية ضخمة كالتي كانت متاحة خلال مرحلة السيطرة النفطية.

سادسًا: قراءة تحليلية للمستقبل

تنظيم داعش في مرحلته الحالية أقرب إلى "حركة تمرد متنقلة" منه إلى كيان سياسي أو عسكري منظم. خطابه الأخير ضد دمشق يعكس استمرار الرهان على الحرب النفسية والدعاية أكثر من القدرة الفعلية على تغيير موازين القوى.

المعركة ضد داعش لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت:

فكرية (مواجهة الأيديولوجيا المتطرفة).

اقتصادية (تقليل دوافع التطرف).

أمنية استخباراتية طويلة الأمد.

وفي ظل المشهد الإقليمي المعقد، يبقى خطر التنظيم مرتبطًا بمدى قدرة الدول على سدّ الفراغات الأمنية ومنع إعادة تشكل بيئات حاضنة.

حضور التنظيم الارهابي في المعادلة الأمنية

تهديد داعش الأخير لدمشق يعيد تسليط الضوء على تنظيم لم ينتهِ بالكامل رغم سقوط "دولته". وبين خطاب دعائي متصاعد وواقع ميداني محدود، يبقى التنظيم حاضرًا في المعادلة الأمنية، لكنه يفتقر إلى الزخم الذي كان يتمتع به قبل عقد من الزمن.

المستقبل مرهون بقدرة الدول الإقليمية والدولية على منع عودة التنظيم بصيغة جديدة، سواء عبر خلايا سرية أو تحالفات عابرة للحدود

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.