نصدر ملف التحول من منظومة الدعم التمويني الحالية إلى الدعم النقدي اهتمامات المواطنين على محرك البحث «جوجل»، لكن خلف العنوان الاقتصادي الكبير ظهرت أزمة أكثر سخونة على الأرض، بعدما فوجئ مواطنون بحذفهم من بطاقات التموين أو تهديدهم بالخروج من المنظومة، استنادًا إلى بيانات حكومية تتعلق بامتلاك سيارة أو شقة أو وحدة سكنية داخل كمباوند.
الأزمة لم تعد مجرد حديث عن إصلاح الدعم أو تنقية البطاقات، بل تحولت إلى موجة غضب واسعة بسبب ما يصفه مواطنون بأنه «عشوائية» في قرارات الحذف، خاصة في الحالات التي تعتمد على بيانات لا تعكس الواقع الفعلي.
فالمواطن الذي خصصت له شقة ولم يستطع استكمال ثمنها، ثم تنازل عنها أو فقد حقه فيها، قد يجد نفسه خارج التموين لأن بيانات وزارة الإسكان لا تزال تسجله كمالك أو مستفيد، رغم أن الواقع يقول شيئًا آخر.
حذف بسبب سيارة أو شقة.. أين تنتهي العدالة وأين يبدأ الإجحاف؟
تقول الحكومة إن تنقية بطاقات التموين تستهدف ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ومنع تسرب الدعم إلى غير المستحقين، لكن تطبيق هذه الفكرة على الأرض يثير تساؤلات كبيرة.
فهل مجرد امتلاك سيارة قديمة يعني أن الأسرة لم تعد تحتاج إلى الدعم؟
وهل تخصيص شقة لمواطن داخل مشروع سكني، ثم عجزه عن سداد باقي قيمتها أو تنازله عنها، يكفي لحرمانه من التموين؟
وهل البيانات الورقية لدى جهة حكومية تكفي لإلغاء دعم أسرة دون مراجعة الواقع الاجتماعي والمعيشي لها؟
هذه الأسئلة أصبحت في قلب الجدل، خصوصًا مع شكاوى من مواطنين يرون أن قرارات الحذف لا تفرق أحيانًا بين الملكية الحقيقية والملكية الشكلية، أو بين الحيازة الفعلية وبيانات قديمة لم يتم تحديثها.
اتهامات بالعشوائية في قرارات الحذف
تتصاعد الاتهامات الموجهة إلى وزارة التموين بسبب ما يعتبره البعض اعتمادًا على قواعد بيانات غير مكتملة أو غير محدثة، تؤدي في بعض الحالات إلى خروج مواطنين من منظومة الدعم دون وجه حق.
ويقول منتقدون إن قرار الحذف إذا استند إلى معلومة غير دقيقة، فإنه يتحول من إجراء لتنقية الدعم إلى شكل من أشكال الإجحاف، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسر محدودة الدخل تعتمد على بطاقة التموين في الخبز والسلع الأساسية.
وتزداد حساسية الأزمة لأن التموين بالنسبة لكثير من الأسر ليس رفاهية، بل جزء من معادلة البقاء اليومي، في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
شقة لم تكتمل تلغي بطاقة التموين
من أبرز الحالات المثيرة للغضب، بحسب ما يتداوله المواطنون، حالة الشخص الذي خصصت له وحدة سكنية من إحدى جهات الإسكان، لكنه لم يتمكن من استكمال سداد ثمنها، أو اضطر للتنازل عنها، أو لم يتسلمها فعليًا.
ورغم ذلك، قد تظهر بياناته لدى الجهات الحكومية باعتباره مالكًا أو مستفيدًا من وحدة سكنية، فتتعامل معه منظومة تنقية الدعم على أنه لم يعد من الفئات المستحقة.
هنا تظهر المشكلة الكبرى: القرار لا يستند إلى الواقع المعيشي الفعلي، بل إلى بيانات قد تكون صحيحة على الورق في لحظة معينة، لكنها لم تعد صحيحة في الواقع.
ولهذا يرى مواطنون أن فتح باب التظلمات ليس مجرد إجراء إداري، بل اعتراف ضمني بأن هناك حالات تحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
التموين تفتح باب الطعون لمحاولة احتواء الأزمة
وسط حالة الجدل، يأتي فتح باب التظلمات والطعون كخطوة مهمة لمحاولة تفادي الظلم الناتج عن أخطاء البيانات أو عدم تحديثها.
فالوزارة، وهي تمضي في طريق تنقية البطاقات والتحول إلى الدعم النقدي، مطالبة بأن تتيح للمواطن حق الدفاع عن نفسه وتقديم ما يثبت عدم صحة سبب الحذف.
ويشمل ذلك تقديم مستندات تثبت عدم امتلاك السيارة، أو بيعها، أو عدم القدرة على استكمال شقة مخصصة، أو التنازل عنها، أو عدم وجود دخل ثابت يسمح بخروج الأسرة من الدعم.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يتم فحص التظلمات بسرعة وعدالة؟ وهل تعود البطاقات المحذوفة لأصحابها إذا ثبت الخطأ؟ أم يبقى المواطن عالقًا بين قاعدة بيانات قديمة واحتياج حقيقي لا ينتظر؟

الحكومة تطرح الدعم النقدي كبديل أكثر عدالة
في المقابل، تؤكد الحكومة أن التحول إلى الدعم النقدي يستهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وتوجيه الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من استمرار منظومة قديمة تعاني من الهدر والتسرب.
وقال الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إن ملف التحول إلى الدعم النقدي ظل محل تردد لعقود طويلة، رغم أن أغلب دول العالم تتجه إلى تطبيق الدعم النقدي المباشر.
وأوضح أن الدولة تعمل على مراجعة أوضاع المستفيدين من بطاقات التموين والخبز، خاصة في الحالات التي انتقلت فيها البطاقات عبر الميراث بعد وفاة المستفيد الأصلي، للتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
كما أشار إلى أن الدولة بنت خلال السنوات الماضية قاعدة بيانات للمستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية، مؤكدًا أنها ليست دقيقة بنسبة 100%، لكنها تجاوزت 90% من الكفاءة وفق تقديرات الحكومة.
35 مليار جنيه لا تصل إلى المستحقين
بحسب تصريحات رئيس الوزراء، فإن منظومة الخبز المدعم تعاني من تسرب وعدم كفاءة لا تقل عن 25% من إجمالي الدعم المخصص للخبز.
وأوضح أن إجمالي دعم الخبز يبلغ نحو 140 مليار جنيه سنويًا، وأن ما لا يقل عن 35 مليار جنيه من هذا المبلغ لا يصل إلى المستحقين الفعليين.
وتستخدم الحكومة هذه الأرقام لتبرير الحاجة إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم، سواء عبر التنقية أو التحول إلى الدعم النقدي، بهدف توجيه الموارد إلى الأسر الأشد احتياجًا.
لكن في المقابل، يرى مواطنون أن علاج التسرب لا يجب أن يكون على حساب أصحاب البطاقات المستحقين الذين قد تسقطهم أخطاء البيانات من المنظومة.
325 جنيهًا للفرد.. ملامح الدعم النقدي الجديد
أكد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أن المواطن سيحصل على مبالغ مالية ضمن المنظومة الجديدة تكفي احتياجاته الأساسية، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على تنقية البطاقات التموينية لضمان خروج غير المستحقين ووصول الدعم إلى الفئات الأولى بالرعاية.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن متوسط قيمة الدعم للفرد قد يصل إلى نحو 325 جنيهًا شهريًا، تشمل تكلفة الخبز المدعم وفارق دعم السلع التموينية، مع إمكانية اختلاف القيمة بين الشرائح المختلفة وفقًا لمستوى الاستحقاق.
وبحسب التصور المطروح، سيكون للمواطن الحق في استخدام قيمة الدعم وفق احتياجاته، سواء في شراء الخبز أو السلع التموينية أو المزج بينهما، لكن بالسعر الحر المعلن لكل سلعة.
سعر السكر والعيش في المنظومة الجديدة
أوضح وزير التموين أن سعر كيلو السكر داخل المنظومة الحالية يبلغ 12.5 جنيه، بينما سيصل في المنظومة الجديدة إلى 28 جنيهًا، على أن تتحمل الدولة فارق السعر للمواطن من خلال منظومة الدعم الجديدة.
كما أشار إلى أن صاحب المخبز يبيع الرغيف المدعم بـ20 قرشًا، ويحصل على باقي قيمته من الحكومة، مؤكدًا أن وجود سعرين للسلعة الواحدة يؤدي إلى حدوث خلل في السوق.
وتؤكد الوزارة أنها ستواصل إلزام المخابز بالأسعار المحددة قانونًا، مع العمل على تقليل التلاعب والتسرب داخل منظومة الخبز.
4 شرائح رئيسية للدعم النقدي
بحسب التصور المطروح، سيتم تقسيم المواطنين إلى 4 شرائح داخل منظومة الدعم النقدي الجديدة.
الشريحة الأولى
تشمل الفئات الأكثر احتياجًا، وتحصل على كامل قيمة الدعم دون تخفيض.
الشريحة الثانية
تشمل فئات متوسطة الدخل، وتحصل على دعم جزئي وفق مستوى الاستحقاق.
الشريحة الثالثة
تشمل الأسر القريبة من حد الكفاية، وتحصل على دعم أقل مقارنة بالفئات الأكثر احتياجًا.
الشريحة الرابعة
تشمل الأسر التي تحسنت أوضاعها الاقتصادية، وقد يتم خروجها تدريجيًا من منظومة الدعم.
ويعتمد هذا التصنيف على قواعد بيانات حكومية تشمل الدخل والإنفاق والملكية والحيازة، وهو ما يعيد الأزمة إلى نقطة البداية: هل هذه البيانات دقيقة بما يكفي لتحديد مصير ملايين المواطنين؟
العدالة لا تتحقق بالحذف وحده
العدالة في الدعم لا تعني فقط حذف غير المستحقين، بل تعني أيضًا حماية المستحقين من الحذف الخاطئ.
فإذا كانت الدولة تسعى إلى إصلاح منظومة الدعم، فإن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بحجم الأموال التي يتم توفيرها، بل بعدد الأسر التي لم تُظلم بسبب خطأ في قاعدة بيانات أو معلومة قديمة أو ملكية غير مكتملة.
والمواطن الذي يمتلك سيارة متهالكة لا يشبه من يمتلك سيارة فارهة، ومن خصصت له شقة ثم لم يستطع دفع ثمنها لا يشبه من يسكن في كمباوند فاخر، ومن تظهر بياناته في جهة حكومية لا يعني بالضرورة أنه يعيش في رفاهية.
إصلاح الدعم في مصر
أزمة حذف ملايين المستفيدين من بطاقات التموين تكشف الوجه الأصعب لعملية إصلاح الدعم في مصر.
فالحكومة تقول إنها تبحث عن العدالة ومنع التسرب، والمواطنون يخشون أن يتحول الإصلاح إلى حذف عشوائي يطارد الفقراء بأخطاء البيانات.
وبين الدعم النقدي المنتظر، وتنقية البطاقات، وملف السيارات والشقق والكمباوندات، تبقى الحقيقة الأهم: لا عدالة دون مراجعة دقيقة، ولا إصلاح دون باب تظلمات فعال، ولا حماية اجتماعية إذا دفع المواطن البسيط ثمن معلومة خاطئة لا تعبر عن واقعه.
الدعم يحتاج إلى تنقية، نعم.. لكنه يحتاج قبل ذلك إلى عين عادلة ترى الإنسان قبل أن ترى قاعدة البيانات.


