الثلاثاء، ٥ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:١٩ ص

الإمارات تضع نفسها في المواجهة.. أبوظبي من ملاذ آمن إلى خط تماس مع إيران !

الإمارات في مرمى النار.. نهاية صورة الملاذ الآمن؟

لم تعد دولة  الإمارات العربية  تقف على هامش الصراع الإقليمي كما اعتادت دائما على  أن تقدم نفسها لسنوات طويلة؛ فالدولة التيي بنت صورتها العالمية باعتبارها مركزًا آمنًا للتجارة والسياحة والاستثمار، وجدت نفسها فجأة في قلب المواجهة، بعدما وضعتها حساباتها الأمنية وتحالفاتها الجديدة في خط تماس مباشر مع إيران. وتكشف المعطيات  أن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران لم تكن مجرد اختبار عسكري عابر لأبوظبي، بل لحظة كاشفة أعادت طرح السؤال الأكبر: هل تحولت الإمارات من دولة تبحث عن الحماية إلى دولة تستدعي المواجهة؟ خصوصًا بعدما تعرضت،  لهجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بشكل تجاوز ما تعرضت له دول خليجية أخرى، ما هزّ صورة الإمارات التي كانت تقوم على أعتبارها  كـ“ملاذ آمن” في الشرق الأوسط.

محمد بن زايد ورسالة “لسنا فريسة سهلة”

رصدت وسائل الإعلام الإماراتية  ظهور الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في زيارة لمصابين مدنيين داخل أحد المستشفيات بعد الهجمات الإيرانية، في مشهد حمل رسالتيين متوازيتين: رسالة طمأنة للداخل الإماراتي، ورسالة ردع للخارج. عبارته التيي قال فيها إن “الإمارات جلدها سميك ولحمها مرّ… ولسنا فريسة سهلة” تكشف أن أبوظبي لم تعد تريد الظهور كدولة اقتصادية ناعمة فقط، بل كقوة مستعدة لدفع ثمن تموضعها السياسي والعسكري في نفس الوقت .

هذه العبارة، في مضمونها السياسي، تعلن أن الإمارات تدرك أنها دخلت مرحلة مختلفة. فالدولة التيي كانت تراهن على شبكة علاقات واسعة مع الغرب وإسرائيل، وجدت نفسها أمام اختبار عملي: هل هذه التيحالفات تمنع الضربة، أم تكتفي بإدارة آثارها بعد وقوعها؟

لماذا وضعت الإمارات نفسها في المواجهة؟

التيحول الإماراتي لم يحدث فجأة. فسياسة أبوظبي خلال العقدين الأخيرين قامت على رؤية أمنية واضحة تعتبر أن الخطرين الأكبر على استقرار المنطقة هما: إيران والإسلام السياسي. ومن هنا، بنت الإمارات جيشًا حديثًا، واستثمرت بكثافة في السلاح الأميركي، وأنظمة الدفاع الجوي، والتيدريب العسكري، وتوسيع النفوذ الإقليمي.

لكن اللحظة الفارقة جاءت مع التيطبيع مع إسرائيل عام 2020، إذ لم يكن الأمر مجرد علاقة دبلوماسية أو تجارية، بل انفتاحًا على شراكة أمنية في منطقة ترى إيران فيها إسرائيل خصمًا مباشرًا. وبذلك أصبحت الإمارات، في الحسابات الإيرانية، ليست مجرد دولة خليجية قريبة جغرافيًا، بل جزءًا من بنية إقليمية أميركية ـ إسرائيلية آخذة في التيمدد.

التيعاون العسكري مع إسرائيل.. من التيطبيع إلى خط النار

التيعاون الإماراتي الإسرائيلي لم يعد محصورًا في التيكنولوجيا أو الاقتصاد أو السياحة، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي. فإسرائيل تمتلك خبرات واسعة في الدفاع الجوي، والرادارات، والتيعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي المجالات التيي تحتاجها الإمارات تحديدًا بسبب قربها من إيران وحساسية منشآتها الاقتصادية.

لكن هذا التيعاون يحمل مفارقة خطيرة:
كلما زادت الإمارات اعتمادًا على الشراكة الدفاعية مع إسرائيل، زادت أهميتها داخل الجبهة المعادية لإيران. وكلما اقتربت أبوظبي من تل أبيب أمنيًا، قلّت قدرتها على تسويق نفسها كطرف محايد أو بعيد عن الصراع.

ومن هنا يمكن القول إن الإمارات حصلت على مزايا دفاعية، لكنها خسرت جزءًا من هامش الحياد السياسي. وهذا هو جوهر عبارة: الإمارات تضع نفسها في المواجهة.

الهجمات الإيرانية تكشف هشاشة معادلة الحماية

 أطلقت إيران منذ بداية العمليات العسكرية  نحو 2800 صاروخ وطائرة مسيّرة على الإمارات خلال خمسة أسابيع، وتم اعتراض معظمها بواسطة الدفاعات الجوية الإماراتية. هذا الرقم، حتى لو قُرئ في إطار رواية صحفية، يطرح دلالة سياسية مهمة: الدفاعات الجوية قد تنجح في تقليل الخسائر، لكنها لا تمنع الدولة من أن تصبح هدفًا.

وهنا تظهر حدود مفهوم “الحماية”. فالحماية الإسرائيلية أو الأميركية أو الغربية لا تعني أن الإمارات خارج مرمى النار، بل تعني فقط أنها تمتلك قدرة أفضل على اعتراض جزء من التيهديدات. أما سياسيًا واستراتيجيًا، فإن الهجمات نفسها تعني أن الإمارات أصبحت داخل دائرة الاستهداف وفقدت ميزة الملاذ الآمن وهو الشرط التيجاري الأكبر لأي عمل اقتصادي.

بمعنى آخر:
قد تنجح المنظومات الدفاعية في إسقاط الصواريخ، لكنها لا تستطيع إسقاط تبعات التيموضع السياسي.

هل فشلت الحماية الإسرائيلية؟

السؤال ليس بسيطًا. إذا كان معيار النجاح هو اعتراض الصواريخ والمسيرات، فقد تقول أبوظبي إن دفاعاتها نجحت إلى حد كبير. أما إذا كان معيار النجاح هو منع إيران من جر الإمارات إلى قلب المعركة، فالإجابة مختلفة تمامًا.

الحماية الإسرائيلية، إن وُجدت بهذا المعنى، لم تمنع الإمارات من أن تصبح هدفًا. ولم تمنع تعلىق رحلات، أو قلق الأسواق، أو اهتزاز صورة الدولة الآمنة. لذلك يمكن القول إن الحماية نجحت تكتيكيًا في جانب الاعتراض، لكنها فشلت استراتيجيًا في إبعاد الإمارات عن ساحة الحرب.

وهذا هو الفارق بين الدفاع عن السماء وحماية المكانة. إسرائيل قد تساعد في الدفاع الجوي، لكنها لا تستطيع حماية النموذج الاقتصادي الإماراتي من الخوف، ولا حماية صورة دبي وأبوظبي كمساحة مستقرة إذا تحولت المنطقة إلى جبهة مفتوحة.

صدمة الحلفاء.. لماذا غضبت أبوظبي؟

الإمارات شعرت بأن بعض حلفائها التيقليديين خذلوها، خاصة مع ما وصفته باستجابة فاترة من شركاء عرب ومسلمين. هذه النقطة مهمة للغاية، لأنها تكشف أن أبوظبي لم تعد تنظر إلى محيطها العربي والإسلامي كحاضنة أمنية يمكن الاعتماد علىها في لحظات الخطر.

بل  أن الإمارات اتخذت خطوة صادمة بإعلان الانسحاب من أوبك، في خطوة فُسرت كرسالة إلى السعودية بقدر ما هي قرار نفطي. فالمسألة لم تعد فقط خلافًا حول حصص إنتاج النفط، بل أزمة ثقة أعمق بين أبوظبي والرياض حول القيادة الإقليمية، ومستقبل الاقتصاد، وطريقة التيعامل مع أزمات المنطقة.

الخلاف مع السعودية.. صراع قيادة لا خلاف نفطي فقط

انسحاب الإمارات من أوبك،  أكبر من مجرد قرار اقتصادي. فهو يعكس رغبة أبوظبي في تقديم نفسها كدولة مختلفة عن النموذج النفطي التيقليدي، دولة تركز على الاقتصاد الجديد، والذكاء الاصطناعي، والاستثمار العالمي، وسلاسل التيجارة، بدل البقاء داخل تكتل تقوده السعودية بمنطق نفطي قديم.

لكن هذا الطموح يصطدم بحقيقة جغرافية قاسية: مهما حاولت الإمارات تقديم نفسها كدولة ما بعد النفط، فهي لا تزال في قلب الخليج، وعلى مسافة حساسة من إيران، وتعتمد على أمن الممرات البحرية والطيران والموانئ. لذلك، فإن الخروج الرمزي من عباءة النفط لا يعني الخروج من جغرافيا النار.

الإمارات وإسرائيل.. شراكة تزيد القوة أم تكشف الضعف؟

من منظور أبوظبي، التيعاون مع إسرائيل يمنحها مزايا واضحة: تكنولوجيا دفاعية، خبرة استخباراتية، قدرات سيبرانية، وأنظمة إنذار مبكر. لكن من منظور إيران، هذا التيعاون يعني أن الإمارات أصبحت نقطة متقدمة في مشروع محاصرتها.

وهنا تقع الإمارات في معادلة شديدة الحساسية:
كلما تعمق التيعاون مع إسرائيل، زادت قدرة الإمارات على الدفاع عن نفسها تقنيًا، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر استفزازًا لإيران، وأكثر ارتباطًا بالمعسكر الأميركي الإسرائيلي.

هذه ليست معادلة سهلة. فهي تشبه ارتداء درع ثقيل في ساحة حرب: الدرع يحمي الجسد، لكنه يؤكد أيضًا أنك أصبحت مقاتلًا في المعركة، لا مجرد متفرج.

محمد بن زايد.. عقلية عسكرية تقود دولة تجارية

قد تكون  الخلفية العسكرية لمحمد بن زايد، حاكم دولة الإمارات وتخرجه في أكاديمية ساندهيرست، ودوره الطويل في بناء الجيش الإماراتي. هذه الخلفية تفسر كثيرًا من سلوك أبوظبي الإقليمي. فالرجل لا يدير السياسة الخارجية بعقلية تجارية فقط، رغم أن الإمارات دولة تجارة واستثمار، بل بعقلية أمنية ترى التيهديدات بوضوح حاد: إما معك أو ضدك، إما استباق الخطر أو انتظاره.

هذه العقلية جعلت الإمارات أكثر جرأة في ليبيا واليمن والسودان، وأكثر اندفاعًا في بناء نفوذ عسكري وسياسي خارج حجمها الجغرافي. لكنها في الوقت نفسه جعلت الدولة أكثر عرضة للارتداد؛ فكل تدخل خارجي يفتح خصومة جديدة، وكل تحالف أمني يخلق هدفًا جديدًا وهذه هي طبائع الأمور خاصة عندما يتعلق هذا التيداخل بمصالح دول أخرى.

من القوة الناعمة إلى القوة الصلبة

الإمارات بنت صورتها العالمية عبر القوة الناعمة: الطيران، السياحة، المدن الذكية، الموانئ، الاستثمارات، المعارض، الرياضة، والفعاليات. لكن خلال السنوات الأخيرة، انتقلت إلى استخدام القوة الصلبة أيضًا: التيدخلات الإقليمية، بناء القواعد، دعم أطراف في صراعات، وتوسيع القدرات العسكرية.

المشكلة أن الجمع بين الصورتين ليس سهلًا. فالدولة التيي تقدم نفسها كوجهة آمنة لرؤوس الأموال والسياحة لا تريد أن تبدو كطرف عسكري في صراع مفتوح. ومع ذلك، فإن التيموضع الإماراتي الحالي يدفعها في هذا الاتجاه.

وهنا تكمن الأزمة: الإمارات تريد مكاسب القوة الصلبة، لكنها لا تريد خسائرها على صورة الملاذ الآمن.

هل تخسر الإمارات صورتها الاقتصادية؟

صورة الإمارات كمركز آمن ليست تفصيلًا دعائيًا، بل هي أصل استراتيجي. دبي وأبوظبي لا تبيعان فقط العقارات والخدمات، بل تبيعان الشعور بالأمان والاستقرار. وإذا اهتز هذا الشعور، تتأثر قطاعات الطيران والسياحة والاستثمار والمال والأعمال.

لذلك، فإن دخول الإمارات في مرمى الصواريخ والمسيرات، أو حتى مجرد تداول فكرة أنها أصبحت هدفًا، يضغط على هذا النموذج. المستثمر لا يحتاج إلى دمار واسع كي يقلق؛ يكفي أن يشعر أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت أعلى من المعتاد.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الإمارات أن تكون مركزًا عالميًا آمنًا وفي الوقت نفسه طرفًا متقدمًا في صراع مع إيران؟

 أبوظبي تدفع ثمن الطموح الإقليمي

القراءة الأعمق أن الإمارات لا تُستهدف فقط بسبب قربها الجغرافي من إيران، بل بسبب طموحها الإقليمي. فهي دولة صغيرة جغرافيًا، لكنها تتحرك كقوة متوسطة ذات أدوار واسعة في الأمن والطاقة والموانئ والتيكنولوجيا والصراعات الإقليمية.

هذا الطموح منحها نفوذًا كبيرًا، لكنه جعلها أيضًا أكثر عرضة للانتقام والضغط. فإيران لا ترى الإمارات كجار صغير فقط، بل كحليف لأميركا، وشريك لإسرائيل، ولاعب في ملفات تمس الأمن الإيراني.

من هذه الزاوية، يمكن القول إن الإمارات لم تُسحب إلى المواجهة رغمًا عنها بالكامل؛ بل دخلت تدريجيًا إلى موقع المواجهة عبر سلسلة خيارات سياسية وأمنية، من التيطبيع العسكري، إلى التيحالفات الغربية، إلى التينافس مع السعودية، إلى الرغبة في لعب دور يتجاوز الحجم التيقليدي للدولة.

هل تستطيع الإمارات التراجع؟

التراجع الكامل يبدو صعبًا. فالإمارات بنت خلال سنوات شبكة مصالح وتحالفات لا يمكن تفكيكها سريعًا. كما أن التيراجع أمام إيران قد يُقرأ داخليًا وخارجيًا كضعف، وهو ما لا ترغب أبوظبي في إظهاره.

لكنها قد تحاول إعادة ضبط الإيقاع: تخفيف الظهور العلني للتعاون العسكري مع إسرائيل، تعزيز الخطاب الدبلوماسي، فتح قنوات تهدئة مع طهران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الدفاعات الغربية والإسرائيلية في الخلفية.

أي أن الإمارات قد لا تخرج من المواجهة، لكنها ستحاول إدارة صورتها داخلها.

 الإمارات أمام اختبار الوجود السياسي

الإمارات اليوم أمام اختبار معقد: هل تستطيع أن تكون دولة تجارية عالمية، وقوة إقليمية صلبة، وشريكًا أمنيًا لإسرائيل والغرب، وجارًا قادرًا على تجنب غضب إيران في الوقت نفسه؟

الوقائع تقول إن هذه المعادلة باتت أصعب من أي وقت مضى. فالهجمات الإيرانية، والغضب من الحلفاء، والتيوتر مع السعودية، وتعميق العلاقة مع إسرائيل، كلها مؤشرات على أن أبوظبي دخلت مرحلة جديدة عنوانها: القوة لها ثمن.

لقد وضعت الإمارات نفسها في المواجهة، ليس بقرار واحد مفاجئ، بل بمسار طويل من الخيارات الأمنية والسياسية. والآن لم يعد السؤال هل تملك الإمارات دفاعات قوية؟ بل هل تستطيع هذه الدفاعات حماية النموذج الإماراتي نفسه من تبعات حرب إقليمية مفتوحة؟

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.