الثلاثاء، ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ في ١١:٣٢ م

استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي .. حين تتحول الشكوى إلى مساءلة قانونية

بين طلب النجدة وخطورة النشر غير حقيقي

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية إلى نافذة واسعة يلجأ إليها كثير من المواطنين لعرض مشكلاتهم وطلب التدخل من المسؤولين  خاصة في الحالات التي يشعر فيها أصحاب الشكاوى بأن الطرق التقليدية لم تحقق استجابة سريعة. لكن هذا الطريق، رغم قدرته على جذب الانتباه وتحريك بعض الملفات، قد يتحول في بعض الحالات إلى سلاح عكسي ضد صاحبه، إذا تضمنت الاستغاثة معلومات غير دقيقة، أو اتهامات مرسلة، أو إساءة مباشرة لأشخاص أو جهات دون سند واضح وحقيقي

فما يبدأ بمنشور يحمل عنوان “استغاثة عاجلة” قد ينتهي بتحقيق رسمي، ليس فقط في موضوع الشكوى، ولكن أيضًا في مدى صحة ما ورد فيها، والمسؤولية القانونية لمن نشرها أو أعاد تداولها.

لماذا يلجأ المواطنون إلى الاستغاثات العلنية؟

يلجأ بعض المواطنين إلى نشر شكاواهم عبر فيسبوك ومنصات التواصل المختلفة بهدف لفت نظر الجهات المختصة، خاصة عندما تتعلق الشكوى بخدمة عامة، أو مشكلة إنسانية، أو نزاع مع جهة ما، أو طلب تدخل عاجل من مسؤول.

ويعتقد أصحاب هذه المنشورات أن الانتشار السريع قد يساعد في تسريع الاستجابة، خصوصًا إذا تفاعل الجمهور مع الشكوى أو أعاد نشرها. وفي كثير من الحالات، تصبح مواقع التواصل وسيلة ضغط معنوي وإعلامي، تدفع الجهات المعنية إلى فحص الواقعة والرد علىها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يخلط البعض بين عرض الشكوى المشروعة وبين توجيه اتهامات قاطعة دون أدلة، أو نشر أسماء وصور وبيانات شخصية، أو استخدام عبارات مسيئة قد تخرج المنشور من دائرة الاستغاثة إلى دائرة البلاغ أو الاتهام أو التشهير

متى تصبح الاستغاثة سببًا للمساءلة؟

الاستغاثة في حد ذاتها ليست جريمة، وطلب المساعدة من الجهات المختصة حق مشروع، لكن طريقة صياغة المنشور ومحتواه قد تصنع الفارق. فإذا تضمنت الشكوى وقائع غير صحيحة، أو اتهامات مباشرة دون مستندات، أو عبارات سب وقذف، أو تحريضًا ضد جهة أو شخص، فقد يتعرض صاحبها للمساءلة القانونية.

وتتعامل الجهات المختصة عادة مع هذه المنشورات من زاويتين: الأولى فحص أصل الشكوى لمعرفة حقيقتها، والثانية مراجعة ما إذا كان المنشور قد تضمن تجاوزات قانونية أو معلومات كاذبة أو إساءة لسمعة أشخاص أو مؤسسات.

الإجراءات القانونية بعد تداول المنشورات

عند تداول استغاثة على نطاق واسع، قد تتحرك الجهات المعنية لفحص الواقعة، سواء بناءً على بلاغ رسمي أو رصد للمنشور. ويتم التحقق من مضمون الشكوى، وسؤال الأطراف المرتبطة بها، ومراجعة المستندات أو الأدلة المتاحة.

وفي حال ثبوت صحة الشكوى، قد يتم اتخاذ إجراءات لصالح صاحبها أو لمعالجة المشكلة. أما إذا تبين أن المنشور تضمن ادعاءات غير دقيقة، أو اتهامات لا تستند إلى دليل، أو إساءة متعمدة، فقد يتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد صاحب المنشور وفقًا لما تنتهي إليه التحقيقات.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين “الشكوى” و“التشهيرير”. فالشكوى تعني عرض واقعة وطلب تدخل، أما التشهيرير فيعني نشر اتهامات أو عبارات تمس السمعة دون حكم أو دليل واضح.

كيف يكتب المواطن شكواه دون أن يعرّض نفسه للخطر؟

من الأفضل أن يلتزم صاحب الشكوى بعدة قواعد مهمة قبل النشر، أولها استخدام لغة هادئة ومحايدة، والابتعاد عن الألفاظ الحادة أو الاتهامات المباشرة. كما يجب ذكر الوقائع كما حدثت من وجهة نظره دون جزم بما لا يملك علىه دليلًا.

ويفضل أن يقول صاحب الشكوى: “أطلب فحص الواقعة”، أو “ألتمس تدخل الجهة المختصة”، بدلًا من توجيه اتهامات قاطعة. كما ينبغي تجنب نشر أرقام هواتف أو عناوين أو صور أشخاص دون ضرورة، لأن ذلك قد يفتح بابًا لمشكلات قانونية أخرى.

كذلك، يجب الاحتفاظ بالمستندات والصور والفيديوهات التي تثبت الواقعة، وتقديمها للجهات المختصة عند الطلب، بدلًا من الاعتماد فقط على منشور عاطفي قد يفتقر إلى الأدلة.

السوشيال ميديا ليست بديلًا عن البلاغ الرسمي

رغم أن مواقع التواصل قد تساعد في إيصال الصوت، فإنها لا تغني عن الطرق القانونية والرسمية لتقديم الشكاوى. فالبلاغ الرسمي، أو الشكوى المكتوبة للجهة المختصة، يظل الطريق الأكثر أمانًا وفاعلىة، لأنه يضع الواقعة في مسار قانوني واضح.

أما النشر العلني، فيجب أن يكون بحذر شديد، لأن ما يكتبه الشخص في لحظة غضب قد يبقى قابلًا للتداول والتوثيق، وقد يستخدم ضده لاحقًا إذا احتوى على تجاوزات أو معلومات غير صحيحة.

رسالة مهمة لأصحاب الاستغاثات

الهدف من التحذير ليس منع المواطنين من عرض مشكلاتهم، بل توجيههم إلى الطريقة الصحيحة والآمنة. فمن حق أي شخص أن يطلب المساعدة، وأن يناشد المسؤولين، وأن يعرض معاناته، لكن دون تجاوز القانون أو الإساءة للآخرين أو نشر معلومات غير مثبتة.

فالمنشور المسؤول قد يساعد في حل المشكلة، أما المنشور المتسرع فقد يزيدها تعقيدًا، ويحوّل صاحب الشكوى من طالب حق إلى طرف في مساءلة قانونية.

أصبحت وسيلة مؤثرة لجذب اهتمام المسؤولين

استغاثات مواقع التواصل أصبحت وسيلة مؤثرة لجذب اهتمام المسؤولين، لكنها تحتاج إلى وعي قانوني ولغة دقيقة. فالشكوى المشروعة حق، لكن نشر اتهامات غير موثقة أو معلومات غير صحيحة قد يعرض أصحابها للمساءلة. لذلك، يبقى الطريق الأفضل هو الجمع بين الشكوى الرسمية، والنشر المنضبط، والاحتفاظ بالأدلة، حتى لا تتحول الاستغاثة من وسيلة للإنصاف إلى باب للمحاسبة.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.