السبت، ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٤٦ ص

اتفاق أمريكا وإيران في خطر بعد إلغاء محادثات سويسرا

إلغاء محادثات سويسرا بين أمريكا وإيران.. أول ضربة لمذكرة التفاهم أم مجرد تأجيل تكتيكي

حظي الغاء المحادثات التي كان من المقرر عقدها في سويسرا بين فريقي التفاوض  الإيراني الأمريكي  بنحليلات المراقبين خاصة عقب توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين لتدخل مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أول اختبار حقيقي بعد إعلان إلغاء محادثات سويسرا التي كان من المقرر أن تمهد للمرحلة الفنية والسياسية الأهم في الاتفاق، وهي التفاوض على التفاصيل النهائية خلال مهلة لا تتجاوز 60 يومًا.

فبعد ساعات من التفاؤل الحذر بشأن فتح مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران، جاء التصعيد في لبنان بين إسرائيل وحزب الله ليقلب المشهد، ويدفع واشنطن وطهران إلى تجميد اللقاء المنتظر في منتجع بورغنستوك السويسري، وسط أسئلة كبيرة حول ما إذا كان الاتفاق لا يزال قابلًا للحياة، أم أن مذكرة التفاهم بدأت تتآكل قبل أن تتحول إلى اتفاق نهائي.

ماذا حدث في سويسرا؟

كانت سويسرا تستعد لاستضافة جولة محادثات بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، في إطار متابعة مذكرة التفاهم التي تضمنت وقفًا للأنشطة العسكرية، وفتح مسار تفاوضي بشأن الملف النووي الإيراني، وترتيبات مضيق هرمز، ورفع القيود والعقوبات، وآليات التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب.

لكن وزارة الخارجية السويسرية أعلنت إلغاء المحادثات التي كان من المقرر عقدها الجمعة، في تطور مفاجئ جاء بعد تصعيد ميداني في لبنان بين إسرائيل وحزب الله، وهو تصعيد رأت طهران أنه يهدد جوهر مذكرة التفاهم، خصوصًا ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية في الجبهات المرتبطة بالصراع الإقليمي.

فانس يلغي الرحلة

كان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس يستعد للسفر إلى سويسرا لقيادة أو المشاركة في الجولة الأولى من المحادثات الفنية مع الإيرانيين، لكن البيت الأبيض أعلن إلغاء رحلته.

القرار لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية بأن أجواء التفاوض لم تعد ناضجة بالشكل الكافي، وأن واشنطن لا تريد الذهاب إلى طاولة تفاوض تتفجر حولها الجبهات الإقليمية، أو تبدو فيها غير قادرة على ضبط حلفائها.

السبب الأول: تصعيد لبنان

السبب الأبرز وراء إلغاء محادثات سويسرا هو التصعيد بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.

فمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تضمنت، بحسب ما جرى تداوله، بندًا يتعلق بوقف الأنشطة العسكرية في الجبهات المختلفة، بما في ذلك لبنان. لذلك رأت طهران أن استمرار الهجمات أو التصعيد في لبنان يضع الاتفاق تحت الشك، لأنه ينسف مبدأ التهدئة الشاملة الذي بنيت عليه المذكرة.

وبحسب القراءة الإيرانية، لا يمكن بدء مفاوضات الاتفاق النهائي بينما تستمر جبهة لبنان في الاشتعال، خاصة إذا كانت إسرائيل تتحرك عسكريًا دون ضغط أمريكي كافٍ لوقف التصعيد.

السبب الثاني: أزمة الثقة بين واشنطن وطهران

رغم توقيع مذكرة التفاهم، فإن الثقة بين أمريكا وإيران ما زالت هشة للغاية.

طهران تريد أن ترى تنفيذًا فعليًا للبنود الأولى من المذكرة قبل الانتقال إلى تفاصيل الاتفاق النهائي، خصوصًا ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية، ورفع الحصار، وفتح حركة الملاحة، وعدم فرض عقوبات جديدة.

أما واشنطن فتريد أن تبدأ سريعًا في الملفات الفنية الصعبة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب وآلية الرقابة الدولية.

هذا التباين خلق فجوة واضحة: إيران تريد تنفيذًا أولًا، وأمريكا تريد تفاوضًا فنيًا سريعًا، وبين الموقفين تعطلت محطة سويسرا.

السبب الثالث: الملف النووي لم ينضج بعد

محادثات سويسرا لم تكن لقاءً رمزيًا فقط، بل كانت مخصصة للدخول في تفاصيل حساسة جدًا حول البرنامج النووي الإيراني.

ومن بين الملفات المطروحة: مصير المواد المخصبة، آلية تخفيف تركيز اليورانيوم، دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حدود التخصيب مستقبلًا، وضمانات عدم تطوير سلاح نووي.

هذه الملفات لا يمكن حسمها في أجواء توتر إقليمي، لأنها تحتاج إلى بيئة تفاوضية مستقرة، وإلى ضمانات متبادلة، وإلى قدرة كل طرف على تسويق الاتفاق داخليًا أمام مؤيديه وخصومه.

السبب الرابع: ضغط الحلفاء والخصوم

الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يكن محل ترحيب كامل داخل المعسكر الغربي أو الإقليمي. فإسرائيل تنظر بحذر شديد لأي تفاهم يمنح إيران تخفيفًا للعقوبات أو يفتح لها بابًا اقتصاديًا جديدًا دون تفكيك كامل لقدراتها النووية والعسكرية.

وفي الداخل الأمريكي، يواجه ترامب وفريقه انتقادات من خصوم سياسيين يرون أن الاتفاق قد يمنح طهران مكاسب كبيرة. وفي المقابل، يواجه النظام الإيراني أيضًا ضغوطًا من تيارات داخلية ترفض تقديم تنازلات نووية أو أمنية قبل رفع العقوبات بشكل واضح.

لذلك جاء إلغاء محادثات سويسرا كعلامة على أن مذكرة التفاهم لا تواجه فقط اختبارًا دبلوماسيًا، بل اختبارًا سياسيًا داخل كل معسكر.

هل يعني الإلغاء انهيار مذكرة التفاهم؟

ليس بالضرورة.

إلغاء محادثات سويسرا لا يعني تلقائيًا انهيار مذكرة التفاهم، لكنه يعني أن الاتفاق دخل مرحلة شديدة الحساسية. فالمذكرة ما زالت قائمة من حيث المبدأ، لكنها أصبحت مشروطة بقدرة الأطراف على تثبيت التهدئة ووقف التصعيد في لبنان والمنطقة.

بمعنى أوضح: الاتفاق لم يسقط، لكنه لم يعد يسير في طريق مفتوح. لقد أصبح معلقًا على اختبار الثقة، وعلى قدرة واشنطن على إقناع طهران بأن بنود التهدئة ستُحترم، وعلى قدرة إيران على إثبات التزامها بعدم استخدام أوراقها الإقليمية للضغط أو التصعيد.

تأثير الإلغاء على مهلة الـ60 يومًا

أخطر تأثير لإلغاء محادثات سويسرا يتعلق بمهلة الـ60 يومًا التي نصت عليها مذكرة التفاهم للوصول إلى اتفاق نهائي.

كل يوم يمر دون مفاوضات فنية يضغط على الجدول الزمني، ويجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة. فإذا استمر التأجيل لأيام أو أسابيع، ستتقلص المساحة المتاحة لمناقشة الملفات الثقيلة مثل العقوبات، الأموال المجمدة، اليورانيوم، مضيق هرمز، والضمانات الأمنية.

وقد تضطر الأطراف لاحقًا إلى طلب تمديد المهلة، أو إعادة تفسير بنود المذكرة، أو الدخول في تفاوض أكثر تعقيدًا بسبب فقدان الزخم الأول.

تأثير الإلغاء على مضيق هرمز

من أبرز مكاسب مذكرة التفاهم أنها فتحت الباب أمام إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعد فترة من التوتر والقيود البحرية.

إلغاء محادثات سويسرا قد لا يوقف هذا المسار فورًا، لكنه يضعه تحت الترقب. فإذا اعتبرت إيران أن الجانب الأمريكي أو حلفاءه لم يلتزموا ببنود التهدئة، فقد تعود ورقة الملاحة والمضيق إلى طاولة الضغط.

وهذا يعني أن أسواق النفط والغاز ستبقى شديدة الحساسية لأي خبر جديد من واشنطن أو طهران أو بيروت أو تل أبيب.

تأثير الإلغاء على الأسواق

الأسواق العالمية تتابع هذا التطور بقلق، لأن مذكرة التفاهم كانت قد منحت المستثمرين جرعة تفاؤل مؤقتة بشأن تهدئة الشرق الأوسط وعودة الملاحة وانخفاض مخاطر الطاقة.

لكن إلغاء محادثات سويسرا يعيد عنصر الغموض. فإذا تعثرت المفاوضات، قد ترتفع أسعار النفط مجددًا بفعل مخاوف مضيق هرمز، وقد يعود الذهب للاستفادة من الطلب على الملاذ الآمن، بينما تتأثر أسواق الأسهم بأي مؤشرات على عودة التصعيد.

موقف إيران

من الواضح أن إيران لا تريد الدخول في مفاوضات الاتفاق النهائي قبل التأكد من تنفيذ البنود الأولى لمذكرة التفاهم.

طهران تريد تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف التصعيد في لبنان، وضمان عدم استخدام إسرائيل للجبهة اللبنانية كوسيلة لإفشال الاتفاق. كما تريد رؤية خطوات أمريكية عملية في ملفات الحصار والعقوبات والملاحة.

وبالتالي، فإن رسالة إيران من تأجيل اجتماع سويسرا تبدو واضحة: لا تفاوض نهائيًا قبل تنفيذ الالتزامات الأولية.

موقف أمريكا

واشنطن من جانبها تبدو حريصة على إنقاذ الاتفاق، لكنها لا تريد الظهور بمظهر الطرف الذي يقدم تنازلات مجانية لإيران.

إلغاء رحلة فانس إلى سويسرا قد يكون محاولة لتجنب فشل علني على طاولة التفاوض، أو خطوة لشراء وقت حتى يتم تثبيت التهدئة في لبنان، أو رسالة ضغط على إيران بأن تعطيل المحادثات لن يفيدها إذا كانت تريد رفع العقوبات وفتح الباب أمام الأموال والاستثمارات.

إسرائيل وحزب الله في قلب المعادلة

الأزمة تكشف أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يتعلق فقط بواشنطن وطهران. فلبنان، وحزب الله، وإسرائيل، ومضيق هرمز، والخليج، كلها ملفات متداخلة.

أي تصعيد من طرف إقليمي قادر على تعطيل التفاهم، لأن مذكرة التفاهم بنيت على تصور أوسع للتهدئة لا يقتصر على الملف النووي فقط، بل يمتد إلى الجبهات العسكرية والممرات البحرية والأمن الإقليمي.

وهنا تكمن هشاشة الاتفاق: طرفان يوقعان، لكن أطرافًا أخرى قادرة على تفجيره ميدانيًا.

السيناريو الأول: استئناف سريع للمحادثات

السيناريو الأفضل هو أن تنجح الوساطات في تثبيت التهدئة في لبنان، وأن تعلن سويسرا أو واشنطن موعدًا جديدًا قريبًا للمحادثات.

في هذه الحالة، سيُنظر إلى إلغاء اجتماع الجمعة باعتباره تعثرًا مؤقتًا، لا انهيارًا للمسار. وقد تستعيد مذكرة التفاهم زخمها إذا بدأت المحادثات الفنية خلال أيام.

السيناريو الثاني: تأجيل طويل ومذكرة معلقة

السيناريو الأخطر هو استمرار التأجيل دون موعد واضح، مع بقاء كل طرف متمسكًا بشروطه.

في هذه الحالة، ستتحول مذكرة التفاهم إلى وثيقة معلقة: لا هي سقطت رسميًا، ولا هي قادرة على إنتاج اتفاق نهائي. وهذا سيزيد التوتر في الأسواق، ويضع كل بند من بنود الاتفاق تحت اختبار يومي.

السيناريو الثالث: انهيار تدريجي

إذا عاد التصعيد في لبنان أو مضيق هرمز أو الملف النووي، فقد تبدأ المذكرة في الانهيار تدريجيًا، لا عبر إعلان رسمي، بل عبر اتهامات متبادلة بعدم الالتزام.

هذا السيناريو سيكون الأخطر، لأنه قد يعيد المنطقة إلى مربع التصعيد، وربما يجعل أي تفاوض لاحق أصعب بكثير من التفاوض الحالي.

قراءة بوابة الصباح اليوم

إلغاء محادثات سويسرا ليس مجرد تأجيل دبلوماسي، بل إنذار مبكر بأن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تواجه أزمة ثقة عميقة.

الاتفاق لا يزال قابلًا للإنقاذ، لكنه يحتاج إلى تثبيت سريع للتهدئة في لبنان، وضمانات واضحة من واشنطن وطهران، وموعد جديد للمحادثات قبل أن يفقد المسار زخمه.

أما إذا استمر التعطيل، فإن مذكرة التفاهم قد تتحول من فرصة تاريخية للتهدئة إلى وثيقة هشة تكشف عجز الأطراف عن تحويل التوقيع السياسي إلى اتفاق عملي.

الاصطدام بواقع المنطقة

إلغاء محادثات سويسرا بين أمريكا وإيران وضع مذكرة التفاهم أمام أول اختبار صعب. فالوثيقة التي بدت قبل أيام وكأنها بداية انفراجة كبرى، اصطدمت سريعًا بواقع المنطقة المعقد: لبنان مشتعل، إسرائيل تتحرك، إيران تشترط التنفيذ، وواشنطن تحاول الحفاظ على الاتفاق دون خسارة أوراق الضغط.

المشهد لم يصل بعد إلى لحظة الانهيار، لكنه دخل منطقة الخطر. وإذا لم يتم تحديد موعد جديد للمحادثات سريعًا، فقد تتحول مهلة الـ60 يومًا من فرصة لصناعة اتفاق نهائي إلى عدّ تنازلي لفشل سياسي جديد.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.