لم يكن التراجع عن الضربة الأمريكية ضد إيران قرارًا عابرًا أو استجابة لضغوط دبلوماسية فقط، بل نتيجة حسابات معقدة داخل الإدارة الأمريكية أدركت أن أي اعتداء عسكري على إيران سيقود حتمًا إلى رد إيراني مباشر أو غير مباشر على تل أبيب، ويفتح أبواب حرب إقليمية واسعة تمتد من إسرائيل إلى الخليج.
فالحديث عن ضرب إيران لم يعد مرتبطًا بإسقاط نظام أو تغيير سلوك، بقدر ما أصبح سؤالًا عن كلفة الحرب على حلفاء أمريكا في الخليج، وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية، فضلًا عن مخاطر تفجير المنطقة عبر حلفاء إيران الإقليميين.
تل أبيب في مرمى الردّ: منطق «يا روح ما بعدك روح»
أخطر ما واجه صانع القرار الأمريكي هو سيناريو الردّ الانتقامي الإيراني. فإيران، إذا ما تعرّضت لضربة، لن تقف عند حدود الردّ الرمزي، بل ستلجأ—وفق منطق الردع المتبادل—إلى ضربات موجعة قد تبدأ من تل أبيب. هنا يحضر منطق «يا روح ما بعدك روح»: ضربةٌ تُقابل بضربة، وتصعيدٌ يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.
هذا الاحتمال وحده كفيل بتغيير ميزان الحسابات؛ إذ إن أي أذى واسع لتل أبيب سيستدرج تدخلات متسلسلة ويحوّل النزاع إلى حرب إقليمية مفتوحة.
الخليج على خط النار: كلفة الحلفاء

الاعتداء على إيران لا يبقى محصورًا بين دولتين. حلفاء واشنطن في الخليج سيكونون في قلب العاصفة، سواء عبر استهداف منشآت حيوية أو عبر ارتدادات أمنية واقتصادية مباشرة. وحتى إن لم يقع «عدوان» مباشر على أراضيهم، فإن المنطقة ستدفع الثمن سياسيًا وأمنيًا، مع ارتفاع المخاطر على الملاحة والطاقة والاستقرار الاجتماعي.
موجات لجوء محتملة: مأزق إنساني واقعي
ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها: ملايين الإيرانيين قد يفرّون من أتون الحرب إن اندلعت. وجهتهم الأقرب والمنطقية؟ دول الخليج.
هذا السيناريو لا يحمل أعباء إنسانية فحسب، بل يضغط على البنية التحتية والخدمات وسوق العمل، ويخلق تحديات أمنية واجتماعية هائلة. الإدارة الأمريكية قرأت هذا الاحتمال جيدًا، وأدركت أن تداعياته تتجاوز القدرة على الاحتواء.
الاقتصاد العالمي: انتكاسة مؤكدة
في زمن هشّ اقتصاديًا، كانت الضربة ستُحدث صدمة عالمية. أسعار الطاقة، سلاسل الإمداد، التأمين والشحن، الأسواق المالية—all على حافة اضطراب كبير.
أي تصعيد في الخليج—شريان الطاقة العالمي—يعني انتكاسة كبرى للاقتصاد العالمي. هذه ليست مبالغة؛ إنها نتيجة طبيعية لأي تهديد للممرات الحيوية أو تعطّل للإنتاج والتصدير.
ضغط بلا هدف: مأزق الاستراتيجية
أمام هذه التعقيدات، لم تجد الإدارة الأمريكية—وخاصة إدارة ترامب—سوى التهديد والضغط كبديل أقل كلفة، لكن من دون هدف واضح.
الرسائل كانت صاخبة، غير أن الاستراتيجية افتقرت إلى نهاية محددة: لا حرب محسوبة، ولا تسوية سياسية شاملة. والنتيجة؟ سياسة شدّ الحبال، تُرضي الداخل سياسيًا، وتؤجل الانفجار إقليميًا.
الاحتجاجات الإيرانية: من موّل ومن حرّك؟
لا يمكن فصل هذا المشهد عن الاحتجاجات داخل إيران. فواشنطن راهنت على الضغط الداخلي، ودعمت—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—مسارات زعزعة، وتلاقى ذلك مع دعم دولة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن الرهان على تفكيك الداخل أثبت محدوديته؛ إذ لم يُنتج تغييرًا حاسمًا، بل زاد من تصلّب المواقف وأغلق نوافذ الحل.
حلفاء إيران الإقليميون: اتساع رقعة الضرر

أي ضربة لإيران لن تبقى محصورة. حلفاء طهران—من الحوثيين وغيرهم—سيوسّعون ساحة الاشتباك. هذا يعني:
-
ضغطًا عسكريًا متعدد الجبهات
-
تهديدًا مباشرًا للملاحة والطاقة
-
ارتفاع حجم الأضرار التي قد تلحق بتل أبيب، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا
الحرب مع إيران ليست «ضربة نظيفة»،
التراجع الأمريكي لم يكن خيارًا تكتيكيًا عابرًا، بل ضرورة استراتيجية. فالحرب مع إيران ليست «ضربة نظيفة»، بل سلسلة ارتدادات تبدأ من تل أبيب ولا تنتهي عند الخليج، وتمرّ عبر الاقتصاد العالمي والملف الإنساني.
في هذا السياق، بدا التهديد والضغط—رغم ضبابية الهدف—أقلّ الشرّين. أما الحقيقة الأوضح، فهي أن إيران ليست ساحة اختبار، وأن أي مقامرة عسكرية ضدها ستعيد رسم خرائط المنطقة على نحو لا يريده أحد.
في النهاية فرضت الحقائق نفسها علي اصحاب القرار داخل الأبيض فكان هو ان إيران والضربة الأمريكية… تراجع لا مفرّ منه، لأن كلفة الحرب أعلى من قدرة الجميع على الدفع.


