كواليس مفاوضات جنيف.. عرض إيراني بتجميد النووي 5 سنوات مقابل استثمارات أمريكية وصفقة طائرات
في أجواء توصف بأنها الأكثر حساسية منذ سنوات، انطلقت في مدينة جنيف جولة محادثات بين إيران والولايات المتحدة، يعتبرها مراقبون "الفرصة الأخيرة" قبل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط.
المعادلة هذه المرة مختلفة.
البديل عن الاتفاق ليس مجرد حزمة عقوبات جديدة، بل احتمال ضربة عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني، ورد إقليمي قد يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
الورقة الإيرانية الثقيلة.. تجميد لا تفكيك
بحسب تسريبات متقاطعة من مصادر دبلوماسية، دخلت طهران المفاوضات بعرض يتضمن:
-
تعليق الأنشطة النووية الحساسة
-
تجميد التخصيب لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات
-
خفض مستوى التخصيب إلى نسب منخفضة للاستخدامات الطبية والبحثية
-
تقليص مخزون اليورانيوم عالي التخصيب
-
توسيع صلاحيات رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية
العرض لا يتحدث عن تفكيك البرنامج النووي، بل عن "تجميده مؤقتًا" تحت رقابة دولية صارمة.
وهنا تكمن الدقة:
إيران لا تتنازل عن البنية التحتية، لكنها تعرض وقفًا مرحليًا يمكن أن يمنح واشنطن إنجازًا سياسيًا دون أن تخسر طهران أوراقها الاستراتيجية بالكامل.

المفاجأة الاقتصادية.. استهداف عقل ترامب
العرض الإيراني لم يتوقف عند النووي.
المفاجأة الأكبر تمثلت في طرح حزمة حوافز اقتصادية موجهة مباشرة إلى عقلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يضع المكاسب الاقتصادية في صدارة حساباته السياسية.
التسريبات تتحدث عن:
-
شراء طائرات ركاب أمريكية بمليارات الدولارات
-
فتح المجال أمام شركات أمريكية للاستثمار في النفط والغاز
-
فرص دخول في قطاعات التعدين والمعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم
-
مشاريع بنية تحتية محتملة بشراكات أمريكية
إذا تحقق هذا السيناريو، فسيكون تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، إذ لطالما اعتُبر دخول الشركات الأمريكية إلى السوق الإيراني "خطًا أحمر".
لماذا هذا التحول الإيراني؟
الاقتصاد الإيراني يعاني من:
-
عقوبات خانقة
-
تضخم مرتفع
-
تراجع في قيمة العملة
-
صعوبات في تصدير النفط
طهران تدرك أن تخفيف العقوبات لن يتحقق إلا عبر صفقة كبيرة.
كما أن القيادة الإيرانية تسعى إلى:
-
تثبيت الاستقرار الداخلي
-
تقليل مخاطر المواجهة العسكرية
-
كسب وقت استراتيجي
التجميد المؤقت يمنحها هذا الوقت دون خسارة القدرة التقنية طويلة الأمد.
موقف واشنطن.. بين الإنجاز والشكوك

واشنطن تنظر إلى العرض الإيراني بحذر.
المطالب الأمريكية الرئيسية تشمل:
-
اتفاق ساري المفعول دون سقف زمني قصير
-
ضمانات تمنع أي مسار سري نحو سلاح نووي
-
آلية رقابة صارمة ودائمة
البيت الأبيض يدرك أن أي اتفاق لا يمكن أن يبدو "ضعيفًا" أمام الداخل الأمريكي أو أمام الحلفاء الإقليميين.
لكن في المقابل، فإن قبول صفقة اقتصادية ضخمة يمنح ترامب إنجازًا يمكن تسويقه داخليًا باعتباره "صفقة مربحة لأمريكا".
الصواريخ والدور الإقليمي.. ملفات مؤجلة
اللافت أن ملف الصواريخ الباليستية، وكذلك النفوذ الإقليمي الإيراني، لم يُطرح بوضوح في هذه الجولة.
التركيز الحالي ينحصر في النووي فقط.
لكن مسؤولين أمريكيين لمحوا إلى أن هذه الملفات قد تُفتح لاحقًا إذا تحقق تقدم في المسار النووي.
هذا يعني أن أي اتفاق محتمل سيكون مرحليًا، لا شاملًا.
لحظة فاصلة.. يا اتفاق يا مواجهة
المحللون يرون أن هذه الجولة بالفعل مفصلية:
السيناريو الأول: اتفاق مرحلي
-
تجميد نووي
-
رفع جزئي للعقوبات
-
عودة تدريجية للشركات الغربية
السيناريو الثاني: فشل وتصعيد
-
تشديد عقوبات
-
ضربات عسكرية محدودة
-
ردود إيرانية عبر أدوات إقليمية
السيناريو الثالث: تمديد التفاوض
-
اتفاق مؤقت قصير الأمد
-
تأجيل الحسم لعدة أشهر
الحسابات العسكرية في الخلفية
رغم أجواء التفاوض، فإن التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة تشير إلى أن خيار القوة لا يزال قائمًا.
الرسالة واضحة:
الدبلوماسية تسير بالتوازي مع الردع.
وهذا ما يجعل المفاوضات الحالية مختلفة؛ فهي لا تجري في بيئة هادئة، بل تحت ضغط عسكري مباشر.
قراءة استراتيجية أعمق
إيران تحاول تقديم عرض لا يُظهرها ضعيفة داخليًا، ولا مستسلمة خارجيًا.
الولايات المتحدة تريد صفقة تضمن منع إيران من الاقتراب من العتبة النووية، دون الانجرار إلى حرب مكلفة.
المعادلة المعقدة تكمن في إيجاد نقطة توازن بين:
-
الأمن
-
الاقتصاد
-
السياسة الداخلية للطرفين
محاولات تجنب المواجهة العسكرية
مفاوضات جنيف ليست مجرد جولة دبلوماسية عادية، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الطرفين على تجنب المواجهة.
العرض الإيراني بتجميد الأنشطة النووية لخمسة أعوام مقابل انفتاح اقتصادي واسع يمثل خطوة غير مسبوقة.
لكن السؤال الحاسم يبقى:
هل يثق كل طرف في التزام الآخر؟
الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت جنيف ستدخل التاريخ كبداية مرحلة استقرار…
أم كالمحطة الأخيرة قبل انفجار إقليمي واسع.


