حرب أعصاب قبل قرار كبير
تعيش المنطقة لحظة شديدة الخطورة، بعدما تزايد الحديث عن تدريبات إيرانية داخلية واستعدادات شعبية لمواجهة أي هجوم محتمل، بالتزامن مع تصريحات أمريكية حادة وتحركات عسكرية في الشرق الأوسط.
وكالة تسنيم القريبة من الحرس الثوري تحدثت عن استعدادات ومناورات للحرس الثوري، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن التلفزيون الإيراني عرض مواد تتعلق بالتدريب على استخدام السلاح، في رسالة واضحة بأن طهران تريد إظهار نفسها مستعدة لأي سيناريو، سواء كان ضربة جوية أو محاولة إنزال أو هجوم بري.
هل يعني تدريب المدنيين أن الغزو البري قريب؟
ليس بالضرورة.
تدريب المدنيين أو بث مواد عن استخدام السلاح قد يكون رسالة تعبئة داخلية أكثر منه دليلًا مؤكدًا على قرب هجوم بري أمريكي. إيران تريد أن تقول لشعبها ولخصومها إن الحرب لن تكون سهلة، وإن أي دخول بري سيواجه مقاومة واسعة.
لكن من الناحية العسكرية، الهجوم البري الأمريكي على إيران يظل السيناريو الأصعب والأعلى تكلفة؛ لأن إيران دولة كبيرة جغرافيًا، وتملك شبكة قوات نظامية وحرس ثوري والباسيج وميليشيات حليفة، وأي غزو بري قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة.
ترامب بين الضربة والتفاوض
ترامب قال في مقابلة مع فوكس نيوز إنه يريد “أن يقوم بالمهمة بالشكل الصحيح”، في إشارة إلى أنه لا يريد قرارًا متسرعًا في ملف إيران.
وفي الوقت نفسه، نقلت تقارير أمريكية أن ترامب يزداد نفاد صبره، وأنه يلوّح باستئناف الهجمات إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، خاصة مع استمرار أزمة مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
وهنا يظهر الأسلوب المعتاد لترامب: رفع سقف التهديد العسكري إلى أقصى درجة، ثم ترك باب التفاوض مفتوحًا. فهو يريد اتفاقًا يظهره منتصرًا، لكنه لا يريد حربًا برية طويلة تستهلك شعبيته وتفجر أسعار الطاقة.

حشود عسكرية أمريكية
السيناريو الأقرب: ضربة جوية لا غزو بري
برأيي، الاحتمال الأقرب ليس هجومًا بريًا واسعًا، بل أحد ثلاثة مسارات:
الأول: ضربة جوية محدودة ضد مواقع عسكرية أو بنية مرتبطة بالبرنامج النووي أو الصواريخ، إذا فشلت الوساطات.
الثاني: تصعيد بحري واقتصادي حول الموانئ والمضيق لزيادة الضغط على طهران دون دخول بري.
الثالث: اتفاق مؤقت بوساطة الصين أو باكستان أو أطراف إقليمية، يضمن تهدئة في مضيق هرمز مقابل تخفيف محدود أو تفاهمات حول الملف النووي.
أما الغزو البري الكامل، فأراه الأقل احتمالًا حاليًا، لأنه مكلف جدًا سياسيًا وعسكريًا، وقد يفتح أبوابًا لا تستطيع واشنطن إغلاقها بسهولة.
لماذا لا يريد ترامب حربًا برية؟
ترامب يدرك أن الضربة الجوية يمكن تسويقها داخليًا باعتبارها “حسمًا سريعًا”، أما الحرب البرية فقد تتحول إلى نسخة جديدة من العراق أو أفغانستان، وهذا يتناقض مع خطابه القديم عن رفض الحروب الطويلة.
حتى عندما تحدث سابقًا عن إيران، كان يربط القوة بالحسم السريع، لا بالاحتلال الطويل. كما أن فوكس نيوز نقلت عنه سابقًا أن إيران يمكنها التواصل مع واشنطن إذا أرادت التفاوض، ما يعني أن باب الصفقة لم يُغلق.
الخلاصة الصادمة
إيران تستعد لتقول: “أي هجوم سيكلفكم الكثير”.
وترامب يهدد ليقول: “أي مماطلة ستكلفكم أكثر”.
لكن القرار الأقرب ليس غزوًا بريًا شاملًا، بل ضغط عسكري ضخم ينتهي إما بضربة جوية محدودة أو تفاوض تحت النار.
بمعنى واضح:
ترامب يريد اتفاقًا من موقع القوة، لا حربًا برية مفتوحة. لكنه إذا شعر أن إيران تماطل أو تكسب الوقت، فقد يذهب لضربة جوية قريبة لإجبارها على العودة إلى الطاولة بشروط أمريكية.


