مخطط الفتنة الرقمية.. عندما تتحول السوشيال ميديا إلى سلاح ضد الشعوب العربية
في زمن لم تعد فيه الحروب تُدار فقط بالصواريخ والطائرات، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي واحدة من أخطر ساحات الصراع بين الدول حيث تُستخدم الحسابات المجهولة والصفحات المزيفة والجيوش الإلكترونية في صناعة الكراهية، وتضخيم الخلافات، وتحويل التعليقات الفردية إلى أزمات شعبية مفتعلة.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت على منصات التواصل منشورات وتعليقات تستهدف إشعال التوتر بين الشعبين المصري والسوداني، من خلال حسابات تُقدم نفسها أحيانًا باعتبارها مصرية أو سودانية، بينما لا يمكن التحقق من هويتها الحقيقية أو الجهة التي تقف وراءها.
مصر والسودان.. علاقة أعمق من منشور مجهول
العلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة عابرة يمكن أن تهزها تعليقات مسيئة أو حسابات مجهولة. فبين الشعبين تاريخ طويل من الجوار، والنسب، والمصالح المشتركة، والثقافة الواحدة، والنيل الذي يجمع ولا يفرق.
لكن خطورة ما يحدث على مواقع التواصل تكمن في محاولة تحويل الاستفزازات الفردية إلى حالة عامة، وكأن الشعب المصري يهاجم السودان، أو كأن الشعب السوداني يهاجم مصر، بينما الحقيقة أن كثيرًا من هذه المنشورات قد تكون مدفوعة أو موجهة أو صادرة من حسابات لا تمثل أي شعب من الشعبين وان هناك من يدير أحداث الفرقة بين الأشقاء
الحرب النفسية تبدأ من تعليق
في الحروب الحديثة، لا تحتاج الجهة المعادية إلى إعلان رسمي حتى تتحرك. يكفي أن تصنع حسابًا باسم عربي، وتضع صورة عادية، ثم تبدأ في نشر الإساءة والتحريض والشتائم، وبعدها يتولى الغاضبون من الطرف الآخر إعادة النشر والرد والتصعيد ليتحول الأشقاء إلى خصوم .
وهكذا تتحول الشرارة الصغيرة إلى موجة كراهية واسعة، ليس لأن الشعوب تكره بعضها، ولكن لأن هناك من يعرف كيف يضغط على نقاط الحساسية، وكيف يدفع الناس إلى الانفعال قبل التفكير.

كيف تُصنع الفتنة على السوشيال ميديا؟
تبدأ العملية غالبًا بمنشور مستفز أو تعليق مسيء، ثم يتم تضخيمه عبر مشاركات متكررة، وحسابات تبدو مختلفة لكنها تردد نفس الرسالة، وبعدها يدخل بعض المستخدمين الحقيقيين في المعركة دون أن يدركوا أنهم يروجون للمحتوى الذي صُنع أصلًا لإشعال الغضب بين الشعوب.
وهنا يصبح المواطن العادي جزءًا من خطة لا يعرفها، فيشارك المنشور بدافع الدفاع عن بلده، لكنه في الحقيقة يساعد على نشر الرسالة التي أراد صانعو الفتنة إيصالها.
حسابات بأسماء عربية.. وهوية غير معروفة
من أخطر أسإلىب التضليل الرقمي أن تظهر الحسابات بأسماء عربية وصور مألوفة ولهجات محلية، فيظن المتابع أنها تمثل رأيًا شعبيًا حقيقيًا. لكن في الواقع، لا يمكن الجزم بهوية هذه الحسابات إلا من خلال تحقيقات تقنية دقيقة وتسعى مثل هذه الحسابات إلى نشر روح الكراهية لتجد اطراف من كلا الجانبين مستعدة لنشرها وفي احيان كثيرة يكون الهدف من النشر هو الحصول علي الاعجابات والمشاهدةدون ان يعرف انه تعاطي السم ويعطي الاخرين من نفس الكأس .
لذلك، لا ينبغي التعامل مع كل حساب يهاجم مصر على أنه سوداني، ولا مع كل حساب يسيء للسودان على أنه مصري. فالمسألة قد تكون أبعد من ذلك، وقد تكون جزءًا من حملات منظمة تستهدف ضرب الثقة بين الشعوب العربية.
إسرائيل وسياسة تفكيك المحيط العربي
لطالما ارتبطت الاستراتيجية الإسرائيلية بالسعي إلى منع تشكل موقف عربي موحد قادر على الضغط السياسي أو التأثير الإقليمي. ومن هنا، فإن أي خلاف عربي داخلي يمثل مكسبًا سياسيًا وإعلاميًا لمن يريد إضعاف المنطقة وتفتيت أولوياتها.
وقد ترددت في السنوات الأخيرة تصريحات وتقارير إعلامية عن سياسات إسرائيلية قائمة على الاستفادة من الانقسامات العربية، سواء عبر السياسة أو الإعلام أو أدوات التأثير الرقمي. كما يُنسب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حديثه عن أن إسرائيل واجهت في السابق عالمًا عربيًا أكثر وحدة، ثم نجحت في تفكيك هذا الاصطفاف عبر الزمن.
وبغض النظر عن تفاصيل كل تصريح أو سياقه، فإن الثابت سياسيًا أن تفتيت الموقف العربي يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية، بينما وحدة الشعوب العربية ووعيها بخطورة التحريض الرقمي تمثل خط دفاع مهمًا ضد هذه المخططات.
الوقيعة بين المصريين والسودانيين.. من المستفيد؟
السؤال الأهم ليس: من كتب التعليق المسيء؟ بل: من المستفيد من انتشاره؟
عندما تنتشر إساءة ضد المصريين باسم حساب يزعم أنه سوداني، أو إساءة ضد السودانيين باسم حساب يزعم أنه مصري، فإن المستفيد الحقيقي ليس المواطن الغاضب الذي يرد بحماس احيانا يكون بدافع الوطنية ليقدم خدمة للحهة التي تريد تعميق الشك والعداء بين شعبين تجمعهما مصالح كبرى وروابط تاريخية وجغرافية.
المستفيد الأول من الفتنة
المستفيد هو كل طرف يريد أن يرى العالم العربي ممزقًا، منشغلًا بصراعات داخلية، وغارقًا في معارك كلامية لا تنتهي. فبدلًا من توجيه الجهد نحو القضايا الكبرى، يتم استنزاف الوعي العام في معارك شتائم وتعليقات ومنشورات هدفها النيل من الجميع وفق مخطط شيطاني مدروس.
لا تنشر قبل أن تسأل
القاعدة الذهبية في مواجهة الفتنة الرقمية هي: لا تنشر قبل أن تسأل.
من صاحب الحساب؟
متى أُنشئ؟
هل له نشاط طبيعي أم يظهر فقط وقت الأزمات؟
هل يكرر نفس الخطاب مع حسابات أخرى؟
هل يستخدم لغة تحريضية تدفعك للغضب الفوري؟
هل الهدف من المنشور نقل معلومة أم إشعال مشاعر الكراهية؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف أن المنشور ليس رأيًا شعبيًا، بل جزء من حملة ممنهجة.
كيف نحمي علاقة مصر والسودان من الفتنة؟
حماية العلاقة بين الشعبين لا تكون بالشعارات فقط، بل بالوعي الرقمي. يجب على المستخدمين عدم التفاعل مع الإساءات التي يقوم البعض بنشرها ، وعدم تعميم أي تعليق فردي على شعب كامل، وعدم تحويل الحسابات المشبوهة والتي تدار من عناصر استخباراتية إلى مادة للانتشار.
كما يجب دعم الخطاب الهادئ الذي يفرق بين الخلاف السياسي أو الأزمة العابرة وبين العلاقات الشعبية العميقة. فالشعوب لا تُختصر في تعليق، ولا تُدان بسبب منشور مجهول.
خطوات عملية لمواجهة الحسابات المشبوهة
عدم إعادة نشر المحتوى المسيء حتى لو كان بغرض الرد.
الإبلاغ عن الحسابات التي تحرض على الكراهية بين الشعوب.
تجاهل الحسابات مجهولة الهوية التي تظهر فقط وقت الأزمات.
عدم تعميم الإساءة الفردية على شعب كامل.
نشر رسائل تهدئة وتذكير بروابط الأخوة بين مصر والسودان.
الاعتماد على المصادر الرسمية والإعلام المهني بدلًا من المنشورات المجهولة التي لانعرف اهدافها جيدا.
الشعوب العربية أمام اختبار الوعي
ما يحدث على مواقع التواصل ليس مجرد جدل عابر، بل اختبار حقيقي لوعي الشعوب العربية. فإما أن تتحول المنصات إلى ساحة لإشعال الكراهية، أو تصبح مساحة لكشف المخططات ورفض التحريض والدفاع عن العلاقات التاريخية بين الشعوب.
ومصر والسودان تحديدًا لا يحتملان هذا النوع من الفتن، لأن العلاقة بينهما أكبر من أي حملة رقمية، وأعمق من أي منشور مجهول، وأقوى من أي محاولة للوقيعة.
حسابات مواقع التواصل وحسابات الشعوب
لا تتعجب عندما ترى حسابًا مجهولًا يسب مصر باسم السودان، أو يهاجم السودان باسم مصر. تعجب فقط إذا صدقت أن هذه الحسابات تمثل الشعوب.
المعركة إلىوم ليست فقط مع من يكتب الإساءة، بل مع من يريدك أن تنشرها وتغضب وترد وتعمم وتشارك في صناعة الفتنة دون أن تدري.
مصر والسودان شعبان شقيقان، وما بينهما أكبر من السوشيال ميديا، وأعمق من حملات التحريض، وأقوى من أي مخطط يريد تفريق العرب وتمزيق روابطهم التاريخية.


