تجري إسرائيل والولايات المتحدة مفاوضات بشأن صياغة مذكرة تفاهم جديدة تنظم مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية، في خطوة قد تمثل تحولًا استراتيجيًا في طبيعة العلاقات الدفاعية بين البلدين، خاصة بعد سنوات من التعاون العسكري المكثف خلال الحروب التي شهدتها المنطقة.
وتأتي هذه المباحثات في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل إسرائيل إلى تقليل الاعتماد على الدعم العسكري الأمريكي، بالتوازي مع استمرار التنسيق الأمني والعسكري بين الجانبين.
خلافات رغم الدعم الأمريكي
برزت الحاجة إلى مراجعة اتفاقات المساعدات العسكرية عقب ثلاث سنوات من الحروب التي خاضتها إسرائيل في غزة ولبنان وإيران، والتي شهدت تعاونًا واسعًا مع الولايات المتحدة على المستوى العسكري.
ورغم استمرار واشنطن في تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر، فإن الطرفين اختلفا في عدد من الملفات السياسية، وعلى رأسها توقيت إنهاء العمليات العسكرية.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعبت دورًا مؤثرًا في فرض رؤيتها بشأن إنهاء بعض العمليات العسكرية، سواء في قطاع غزة أو في لبنان، وهو ما لم يحظَ بقبول كامل داخل الحكومة الإسرائيلية.
نتنياهو: نريد صناعة أسلحتنا بأنفسنا
في تصريحات نشرها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد الأخير أن إسرائيل تسعى إلى تعزيز استقلالها العسكري وتقليل اعتمادها على الخارج في مجال التسليح.
وقال نتنياهو إن إسرائيل وجهت ضربات قوية لإيران وحلفائها، مشددًا على أن المواجهة لم تنته بعد، وأن مستقبل إسرائيل يعتمد على امتلاكها قوة عسكرية مستقلة.
وأضاف أن الدعم الأمريكي يحظى بتقدير كبير، لكنه شدد على ضرورة إنشاء منظومة تسليح وطنية، قائلًا إن إسرائيل بحاجة إلى تصنيع أسلحتها بنفسها، والتوسع في تطوير التكنولوجيا العسكرية وإعداد أجيال جديدة من القادة العسكريين.
مذكرة تفاهم رابعة قيد التفاوض
أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها تجري محادثات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى مذكرة تفاهم جديدة بشأن المساعدات العسكرية.
وإذا تم التوصل إلى الاتفاق، فستكون هذه هي رابع مذكرة تفاهم بين البلدين، والتي تحدد حجم وآليات الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل خلال السنوات المقبلة.
وأوضح تقرير صادر عن الكونغرس الأمريكي أن مذكرات التفاهم لا تعد اتفاقيات ملزمة قانونًا، لكنها تمثل التزامًا سياسيًا تستند إليه مخصصات الكونغرس الخاصة بالمساعدات العسكرية.
الكونغرس: المساعدات تخضع لاعتماد التمويل
أكد تقرير الكونغرس أن قيمة المساعدات المنصوص عليها في أي مذكرة تفاهم تظل مرتبطة بموافقة الكونغرس على تخصيص الأموال، موضحًا أن المذكرات السابقة لعبت دورًا محوريًا في تحديد مستويات الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن آخر تفويض للمساعدات العسكرية جاء ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2021، الذي استند إلى بنود مذكرة التفاهم الحالية.
لماذا تُناقش المذكرة الآن؟
يرى تقرير الكونغرس أن الظروف الحالية دفعت الجانبين إلى التفكير في اتفاق جديد، خاصة مع:
- استمرار الحرب وتراجع مخزون الذخائر الإسرائيلية.
- احتياجات إسرائيل المتزايدة لإعادة التسلح.
- التطورات السياسية الداخلية في إسرائيل.
- احتمالات إجراء انتخابات جديدة خلال الفترة المقبلة.
تاريخ المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل
شهدت العلاقات العسكرية بين البلدين ثلاث مذكرات تفاهم رئيسية:
المذكرة الأولى (1999 – 2008)
تم توقيعها خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ونصت على تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية بقيمة 26.7 مليار دولار، بينها 21.3 مليار دولار مساعدات عسكرية.
كما وضعت خطة لإنهاء المساعدات الاقتصادية تدريجيًا والتركيز على الدعم العسكري.
المذكرة الثانية (2009 – 2018)
تم توقيعها خلال إدارة جورج بوش الابن، ورفعت قيمة المساعدات العسكرية إلى 30 مليار دولار على مدار عشر سنوات.
المذكرة الثالثة (2019 – 2028)
وقعت في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وتنص على تقديم 38 مليار دولار، موزعة على:
- 33 مليار دولار منحًا عسكرية.
- 5 مليارات دولار لدعم برامج الدفاع الصاروخي.
كما تضمنت إنهاء العمل تدريجيًا بميزة كانت تسمح لإسرائيل باستخدام جزء من المساعدات الأمريكية لشراء معدات من شركات إسرائيلية.
مقترح إسرائيلي لإنهاء المساعدات تدريجيًا
أشار تقرير الكونغرس إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سبق أن دعا إلى إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية بصورة تدريجية، انطلاقًا من قناعة بأن إسرائيل أصبحت تمتلك قدرات صناعية وعسكرية تؤهلها للاعتماد بصورة أكبر على نفسها.
وبدلاً من استمرار المساعدات التقليدية، تسعى إسرائيل إلى توسيع التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات:
- الصناعات الدفاعية المشتركة.
- الأمن السيبراني.
- تطوير التقنيات العسكرية الحديثة.
برامج دفاعية مشتركة مستمرة
رغم الحديث عن تقليص المساعدات، لا تزال الولايات المتحدة تمول عددًا من المشاريع الدفاعية المشتركة مع إسرائيل، أبرزها:
- برامج الدفاع الصاروخي.
- تقنيات مكافحة الأنفاق.
- أنظمة مواجهة الطائرات المسيرة.
- تطوير التقنيات العسكرية الناشئة.
ويبلغ التمويل الأمريكي السنوي للدفاع الصاروخي الإسرائيلي نحو 500 مليون دولار، إضافة إلى أكثر من 202 مليون دولار خصصها الكونغرس خلال عام 2026 لبرامج دفاعية مشتركة خارج إطار مذكرة التفاهم.
الاستقلال العسكري لن يكون سهلاً
رغم الطموحات الإسرائيلية، يرى تقرير الكونغرس أن إنهاء المساعدات العسكرية لن يعني إنهاء الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأوضح التقرير أن القوات الجوية الإسرائيلية تعتمد بصورة شبه كاملة على الطائرات الأمريكية، كما أن منظومات الدفاع الجوي والصاروخي تعتمد على التكنولوجيا والدعم الأمريكي.
وأضاف أن أي تحول نحو الاستقلال العسكري الكامل سيحتاج إلى سنوات طويلة، نظرًا لارتباط إسرائيل بسلاسل الإمداد الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بصيانة الطائرات، وقطع الغيار، والذخائر المتطورة.
صفقات السلاح الأمريكية مستمرة
وأشار التقرير إلى أنه منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، وافقت الولايات المتحدة على صفقات سلاح جديدة مع إسرائيل بمليارات الدولارات، تضمنت طائرات مقاتلة وأنظمة دفاعية متقدمة.
وأكد أن بعض هذه الصفقات يمتد تنفيذها لسنوات، ما يجعل استمرار التعاون العسكري بين البلدين أمرًا مرجحًا حتى في حال التوصل إلى صيغة جديدة للمساعدات.
كما شدد التقرير على أن السياسة الأمريكية لا تزال تضمن الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وهو مبدأ ثابت في القوانين الأمريكية المنظمة لتصدير الأسلحة إلى دول المنطقة.


