تدخل إثيوبيا مرحلة بالغة الحساسية، مع تزايد مؤشرات الاضطراب الداخلي وتنامي الحديث عن عودة التمرد المسلح في أكثر من إقليم، في مشهد لم يعد يقتصر على أزمة واحدة يمكن احتواؤها سريعًا، بل يتجه نحو تعدد الجبهات وتداخلها بما يضغط مباشرة على قدرات الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية. هذا الواقع يضع حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد أمام اختبار قد يتحول إلى أزمة استنزاف طويلة الأمد إذا ما فشلت أدوات الاحتواء السياسي والأمني.
مشهد أمني معقّد.. أكثر من بؤرة توتر في وقت واحد
لا تزال البلاد تعاني من صراعات دامية ومتقطعة في أقاليم رئيسية، أبرزها إقليم أمهرة و**إقليم أوروميا**، حيث تتداخل الاحتجاجات الشعبية مع العمل المسلح، ما يفرض على الجيش الإثيوبي انتشارًا واسعًا للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. ومع هذا الانتشار، يظهر خطر جديد يتمثل في تشتيت الجهد العسكري بين مساحات جغرافية كبيرة وعمليات ميدانية متفرقة.
أوجادين يعود إلى الواجهة.. مؤشر تصعيد مقلق

برز في الأسابيع الأخيرة تطور لافت في إقليم أوجادين (المنطقة الصومالية)، بعد إعلان فصائل سياسية وعسكرية اندماجها في كيان موحد تحت اسم «تحالف الشعب الصومالي لتقرير المصير». ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية عودة محتملة للعمل المسلح بعد سنوات من الهدوء النسبي، ما يفتح الباب أمام جبهة ثالثة تزيد تعقيد المشهد.
لماذا يشكّل فتح جبهة جديدة خطرًا مضاعفًا؟
فتح جبهة إضافية يعني بالضرورة استنزاف الموارد العسكرية، ورفع احتمالات الإنهاك أو فقدان السيطرة على مناطق حساسة، خاصة في ظل اعتماد الجيش على الانتشار الواسع لضبط الأمن. ومع تعدد الجبهات، تتراجع القدرة على الحسم السريع، ويزداد خطر التحول إلى نزاع طويل منخفض الحدة لكنه مرتفع الكلفة.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية.. كلفة لا تقل خطورة
لا يقتصر تهديد تعدد الجبهات على الأمن وحده، بل ينعكس مباشرة على الاقتصاد وحركة التجارة والاستقرار المجتمعي. فكل توسع في رقعة الصراع يضاعف أعباء الدولة المالية، ويؤثر في سلاسل الإمداد والاستثمار، ويضعف ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في قدرة الحكومة على احتواء الأزمات، خصوصًا إذا طال أمد الصراع.
الدولة تحت ضغط الثقة
مع تزايد الأزمات، تصبح إدارة الثقة عاملًا حاسمًا. فالدول التي تنجح في منع انزلاق الصراعات إلى دوامات طويلة تفعل ذلك عبر مزيج من الحلول السياسية والإصلاحات الأمنية، لا عبر المقاربة العسكرية وحدها.

خيارات آبي أحمد.. تسويات أم استنزاف؟
تتجه الأنظار إلى الاستراتيجية المقبلة لرئيس الوزراء:
-
خيار التسويات السياسية: عبر فتح قنوات تفاوض حقيقية مع القوى المحلية، وتخفيف أسباب الاحتقان، وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية.
-
خيار المعالجة الأمنية الموسعة: وهو مسار قد يحقق تهدئة مؤقتة، لكنه يحمل مخاطر الاستنزاف إذا تزامن مع تعدد الجبهات واتساع رقعة التوتر.
إلى أين تتجه إثيوبيا؟
المشهد الراهن يوحي بأن إثيوبيا تقف أمام مفترق طرق: إما احتواء مدروس يخفف الضغط ويمنع تَشَكُّل «تمرد متعدد»، أو مرحلة أصعب تختبر قدرة الجيش والمؤسسات على الصمود في مواجهة أزمات متزامنة. وفي الحالتين، يبقى عامل الزمن حاسمًا؛ فكل تأخير في المعالجة السياسية يزيد كلفة الاستقرار.


