في كل موسم تقريبًا، يظهر من يحاول ركوب موجة جديدة، مرة باسم الشهرة، ومرة باسم الشهامة، ومرة باسم الدفاع عن الصعيد والجلابية. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن أمام دفاع صادق عن كرامة الزي الصعيدي، أم أمام مشهد مصنوع بعناية لاستغلال رجل مسن وجذب الأضواء وتحويل الهوية إلى سلعة في سوق السوشيال ميديا؟
القصة لم تعد مجرد واقعة منع دخول دار عرض سينمائي، ولا مجرد خلاف حول ملابس تقليدية، بل أصبحت نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ«تجارة التريند»، حين يتحول الإنسان البسيط إلى أداة، والزي الشعبي إلى لافتة، والكرامة إلى مشهد قابل للتصوير والمزايدة.
سمسار أضواء أم مدافع عن الهوية؟
بحسب الرواية المتداولة في منشور «من المطعني يكتب»، فإن أحد الأشخاص المعروفين بعمله في مجال السمسرة العقارية بمنطقة فيصل، اعتاد الظهور في مواقف مثيرة للجدل، مستخدمًا ما يشبه «الزفة البلدي» لجذب الانتباه، والبحث عن مساحة أكبر من الشهرة والانتشار.
والاتهام الأساسي في النص ليس موجهًا إلى الجلابية ولا إلى الصعيد، بل إلى من يحاول استخدامهما كأوراق ضغط في معركة لا علاقة لها بالكرامة من قريب أو بعيد. فالصعيدي الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض كي يثبت أصالته، ولا يحتاج إلى كاميرا كي يدافع عن كرامته، ولا يحوّل رجلًا مسنًا إلى واجهة لمشهد محسوب على منصات التواصل.

من واقعة سما المصري إلى تريند الجلابية
يشير النص إلى واقعة سابقة أثارت الجدل، حين جرى الحديث عن استغلال اسم الراقصة الاستعراضية سما المصري بعد إعلانها ارتداء الحجاب، في محاولة لصناعة ضجة إعلامية جديدة. لكن، وفق الرواية نفسها، انقلب المشهد على صاحبه، بعدما تعاملت سما المصري مع الأمر بالطريقة ذاتها، فاستفادت من الموقف إعلاميًا وماديًا.
وهنا يأتي الربط بين الواقعتين: من يبحث عن الأضواء مرة، قد لا يتوقف عند مرة واحدة. ومن يستخدم «الشو» كوسيلة للتسويق، قد يعود لاستخدام أي رمز مؤثر، سواء كان اسمًا مثيرًا للجدل أو رجلًا مسنًا يرتدي جلابية صعيدية.
الجلابية ليست ديكورًا للدعاية
الجلابية الصعيدية ليست قطعة قماش تُرتدى أمام الكاميرا لصناعة مشهد مؤثر. إنها رمز لهوية عريقة، وتاريخ طويل من الكرامة، والوقار، والبساطة، والاعتزاز بالأصل.
ولهذا فإن أخطر ما في هذه الأزمة ليس واقعة الدخول أو المنع فقط، بل محاولة تحويل الجلابية إلى «أداة تريند» تُرفع عند الحاجة وتُطوى بعد انتهاء الضجة. فالزي الصعيدي لا يحتاج إلى من يفتعل له معركة حتى يثبت قيمته، ولا يقبل أن يتحول إلى إعلان جانبي في دعاية فيلم أو مكتب سمسرة أو حساب يبحث عن المتابعين.
دار العرض.. هل كانت الواقعة مدبرة؟
بحسب كاتب النص، فإن الذهاب إلى دار عرض داخل فندق كبير لم يكن مشهدًا عفويًا بالكامل، بل خطوة محسوبة، خصوصًا أن بعض الأماكن لها لوائح أمنية وتنظيمية مرتبطة بطبيعة الدخول، وليس بالضرورة بالزي نفسه.
ويرى الكاتب أن تقديم الرجل المسن في مقدمة المشهد كان محاولة لاختبار رد فعل الأمن الإداري، ثم استثمار لحظة المنع أو التردد لتفجير الأزمة على مواقع التواصل، وتحويلها إلى معركة تحت عنوان: «إهانة الجلابية الصعيدية».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كان الهدف مشاهدة الفيلم فعلًا؟ أم صناعة لقطة كافية لإشعال التريند؟
دفاع عن الصعيد أم بحث عن نمبر 1؟
الأزمة اكتسبت زخمًا أكبر بعد ارتباطها باسم الفنان محمد رمضان وفيلمه الجديد، إذ بدت الواقعة وكأنها فتحت بابًا واسعًا للدعاية غير المباشرة، بعدما انتقل الحديث من تقييم العمل فنيًا إلى معركة اجتماعية حول الصعيد والهوية والتمييز.
وبينما رأى البعض أن محمد رمضان استثمر الواقعة للدفاع عن أهل الصعيد، رأى آخرون أن ما جرى منح الفيلم دعاية مجانية ضخمة، خاصة بعد انتقادات طالته ووصفه البعض بأنه عمل ضعيف أو غير موفق.
وفي الحالتين، ظل الرجل الصعيدي البسيط والجلابية في قلب مشهد لا يملكان السيطرة عليه.

أرباع المشاهير ومواسم الصخب
بعد انتشار الواقعة، فتحت منصات التواصل أبوابها أمام موجة من التعليقات، الفيديوهات، والآراء، بعضها دفاع حقيقي عن الكرامة، وبعضها مجرد محاولة للحاق بالتريند قبل أن ينطفئ.
وهنا تظهر أزمة أعمق: لم يعد بعض الباحثين عن الشهرة ينتظرون قضية حقيقية أو موقفًا مؤثرًا، بل يكفيهم مشهد غامض، ورجل بسيط، وملابس تراثية، وشعار عاطفي، حتى تبدأ «مواسير» الكلام والظهور والادعاء.
الصعيد أكبر من هذه اللعبة
الصعيد ليس «رخصة مجانية» لصناعة الضجيج. والصعيدي ليس ديكورًا في فيديو. والجلابية ليست كارتًا دعائيًا يُستخدم في معركة فنية أو تسويقية أو شخصية.
من يريد الدفاع عن الصعيد، فليدافع عنه باحترامه، لا باستغلال رموزه. ومن يريد الحديث باسم أهله، فليكن صادقًا ومتزنًا، لا باحثًا عن لقطة. فكرامة الصعيد لا تحتاج إلى زفة مصطنعة، بل إلى تقدير حقيقي في الخطاب، والإعلام، والسياسة، والفن، والحياة اليومية.
التريند يفضح أصحابه
في النهاية، قد تنجح بعض المشاهد المفتعلة في جذب الانتباه لساعات أو أيام، لكنها تترك خلفها سؤالًا لا يختفي: من المستفيد الحقيقي؟
إذا كان الهدف الدفاع عن رجل مسن، فليكن الدفاع عنه بكرامة لا باستعراضه. وإذا كان الهدف الدفاع عن الجلابية، فلا يجوز تحويلها إلى سلعة تريند. وإذا كان الهدف الدعاية لفيلم أو شخص أو مكتب، فليكن ذلك واضحًا دون الاختباء خلف الصعيد.
الهوية ليست لعبة، والكرامة ليست مشهدًا، والصعيد ليس بوابة عبور إلى الشهرة السريعة. او ترويج لاعمال البلطجة


