تتسارع التحركات الدولية حول مضيق هرمز مع تصاعد المخاوف من استمرار تعطيل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث كشفت تقارير دولية عن ترتيبات تقودها بريطانيا وفرنسا لتشكيل مهمة بحرية واسعة هدفها تأمين عبور السفن التجارية وناقلات النفط، وليس مجرد إصدار بيانات سياسية أو دبلوماسية.
وبحسب ما نقلته تقارير دولية، فإن التحرك الأوروبي يرتبط بمهمة دفاعية لمرافقة السفن عبر المضيق، على أن يبدأ التنفيذ الفعلي عندما تسمح الظروف الميدانية ويثبت وقف إطلاق النار. وتحدثت بلومبرغ عن تحالف بحري تقوده فرنسا وبريطانيا مستعد لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إذا وافقت إيران على مقترح أمريكي لإنهاء الحرب.
تحالف أوروبي غير مسبوق حول مضيق هرمز
المعطى الأبرز في المشهد هو أن الملف لم يعد محصورًا بين واشنطن وطهران فقط، بل دخلت أوروبا بثقلها عبر قيادة بريطانية فرنسية مشتركة، مع حديث عن مشاركة أو مناقشات تشمل أكثر من 40 دولة في التخطيط لمهمة بحرية مرتبطة بإعادة فتح الطريق أمام الملاحة. وتشير تقارير إلى أن أكثر من 40 دولة بدأت التخطيط العسكري للمهمة بعد محادثات استضافتها بريطانيا، في وقت تحركت فيه فرنسا بحاملة الطائرات شارل ديغول ومجموعتها البحرية باتجاه البحر الأحمر لتقليل زمن الاستجابة عند توفر الظروف المناسبة.
هذا يعني أن الغرب يحاول بناء غطاء دولي واسع، لا يقتصر على إرسال قطعة بحرية أو فرقاطة رمزية، بل يتجه نحو هندسة قوة مرافقة بحرية قادرة على التعامل مع سيناريوهات الألغام، الهجمات البحرية، الطائرات المسيرة، أو التهديدات الصاروخية المحتملة.
مهمة مرافقة السفن.. لا حرب مفتوحة ولكن رسالة قوة
رغم الطابع العسكري الواضح للتحركات، فإن الصيغة المعلنة حتى الآن تبدو أقرب إلى “مهمة دفاعية” وليست عملية هجومية مباشرة لفرض فتح المضيق بالقوة. ووفق تقارير وول ستريت جورنال، أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا لم تكن تبحث في نشر بحري لفتح المضيق بالقوة، وإنما في مهمة دولية بقيادة فرنسية بريطانية لتسهيل استئناف حركة الملاحة بالتنسيق مع إيران عندما تكون الظروف مواتية.
لكن حتى لو جرى تقديم الخطة باعتبارها مهمة دفاعية، فإن مضمونها يحمل رسالة ضغط واضحة: المجتمع الدولي لن يترك مضيق هرمز رهينة للتهديدات طويلة المدى، ولن يسمح بأن تتحول حركة النفط والتجارة البحرية إلى ورقة ابتزاز دائمة في يد أي طرف.

شارل ديغول في البحر الأحمر.. ماذا يعني تحرك حاملة الطائرات الفرنسية؟
تحرك حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول باتجاه البحر الأحمر يمنح الخطة الأوروبية ثقلًا عسكريًا وسياسيًا لافتًا. فوجود حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، ومعها مجموعة بحرية مرافقة، يعني أن باريس لا تريد فقط الحضور على طاولة التفاوض، بل تريد امتلاك قدرة ميدانية سريعة على التدخل أو الحماية أو الردع إذا انفتحت نافذة تنفيذ المهمة.
وتشير تقارير إلى أن مجموعة شارل ديغول عبرت قناة السويس واتجهت نحو جنوب البحر الأحمر ضمن الاستعداد للمبادرة الفرنسية البريطانية، مع التأكيد على أن بدء مرافقة السفن مشروط بتحسن الظروف وانتهاء الأعمال العدائية. كما استضافت فرنسا وبريطانيا اجتماعًا عبر الإنترنت مع نحو 50 دولة لبدء التخطيط للمهمة، مع استبعاد الولايات المتحدة والأطراف المنخرطة مباشرة في الصراع من ذلك الاجتماع.
وهنا تظهر نقطة مهمة: أوروبا تحاول رسم مسار مستقل نسبيًا عن واشنطن، أو على الأقل مسارًا لا يبدو تابعًا بالكامل للقرار الأمريكي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التنسيق الاستراتيجي العام داخل المعسكر الغربي.
بريطانيا تدفع بقطعة بحرية إلى الشرق الأوسط
التحرك البريطاني لا يقل أهمية، إذ تحدثت بلومبرغ عن عزم لندن نشر سفينة حربية في الشرق الأوسط ضمن التخطيط لمهمة أوروبية تقودها فرنسا وبريطانيا لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر.
وهذا التحرك يعكس أن بريطانيا تريد العودة بقوة إلى ملف أمن الممرات البحرية، خاصة أن مضيق هرمز لا يمثل فقط أزمة شرق أوسطية، بل أزمة عالمية تمس أسعار النفط، التأمين البحري، سلاسل الإمداد، وتكاليف الطاقة في أوروبا نفسها.
الرسالة الأمريكية لإيران.. تصعيد سياسي ونفسي
في المقابل، يظهر الدور الأمريكي بلهجة أكثر حدة، خاصة بعد رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرد الإيراني على مقترح السلام، ووصفه بأنه “غير مقبول تمامًا” وفق ما نقلته رويترز. التقرير أشار إلى أن المقترح الأمريكي كان يقوم على وقف إطلاق نار يعقبه مسار تفاوضي مرتبط بالملف النووي، بينما طالبت إيران بوقف شامل للأعمال العدائية وتعويضات حرب ورفع عقوبات وترتيبات تخص السيطرة على المضيق.
أما ما ورد في المنشور المتداول على صفحة داعمة لترامب بشأن ظهور غواصة صواريخ باليستية من فئة أوهايو في جبل طارق، فيجب التعامل معه بحذر تحريريًا إلى حين وجود تأكيد رسمي مستقل من وزارة الدفاع الأمريكية أو وكالة موثوقة. لكن حتى على مستوى الخطاب السياسي، فإن الرسالة الأمريكية تبدو واضحة: واشنطن لا تريد أن تظهر بموقع المتفرج، خصوصًا إذا تعلقت الأزمة بمضيق تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية.
لماذا مضيق هرمز بهذه الخطورة؟
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة اختناق استراتيجية في قلب سوق الطاقة العالمي. أي تعطيل طويل للملاحة فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز، وتكاليف الشحن والتأمين، ثم ينتقل أثره إلى الأسواق والمستهلكين حول العالم.
لذلك فإن الحديث عن مرافقة ناقلات النفط ليس تفصيلًا عسكريًا فقط، بل قرار اقتصادي دولي. فكل سفينة تمر بأمان تعني تهدئة في السوق، وكل تهديد جديد يعني ارتفاعًا في كلفة الطاقة والتجارة.
هل أوروبا تستعد لمواجهة إيران؟
حتى الآن، لا تبدو الخطة الأوروبية معلنة كعملية هجومية ضد إيران، بل كترتيب أمني مشروط بوقف إطلاق نار مستقر وعودة حركة الملاحة. لكن طبيعة المعدات المطلوبة، من فرقاطات ومدمرات وكاسحات ألغام وغطاء جوي، تجعل المهمة قابلة للتحول سريعًا إلى مواجهة إذا وقع احتكاك عسكري داخل المضيق أو قربه.
ولهذا يمكن قراءة التحرك الأوروبي على مستويين: الأول دبلوماسي يضغط باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الملاحة، والثاني عسكري يجهز أدوات الردع حتى لا يبقى الاتفاق السياسي بلا قوة تحميه.
التحليل السياسي.. الغرب ينتقل من إدارة الأزمة إلى فرض قواعد جديدة
الأخطر في هذا المشهد أن الغرب يبدو كأنه ينتقل من مرحلة “احتواء التهديد” إلى مرحلة “إعادة تعريف قواعد المرور في المضيق”. فالمرافقة العسكرية للسفن التجارية تعني عمليًا أن أمن الطاقة لم يعد ملفًا تجاريًا، بل بات ملفًا عسكريًا مباشرًا.
كما أن دخول أوروبا بهذا الحجم يحمل رسالة مزدوجة: إلى إيران بأن السيطرة على المضيق أو تعطيله لن يمر بلا رد جماعي، وإلى الولايات المتحدة بأن أوروبا قادرة على تحمل جزء أكبر من عبء أمن الملاحة بدل الاعتماد الكامل على البحرية الأمريكية.
لكن في المقابل، يبقى الخطر الأكبر هو سوء التقدير. فوجود قطع بحرية متعددة، وطائرات مراقبة، وناقلات نفط، واحتمال وجود ألغام أو زوارق سريعة أو مسيرات، يجعل أي حادث صغير قابلًا للتحول إلى أزمة كبيرة.
ماذا يحدث إذا نجحت المهمة؟
إذا نجحت المهمة الأوروبية في تأمين ممرات آمنة عبر مضيق هرمز، فقد نشهد تراجعًا نسبيًا في التوتر بأسواق الطاقة، وانخفاضًا في تكاليف التأمين البحري، وعودة تدريجية لثقة شركات الشحن. كما سيمنح ذلك بريطانيا وفرنسا حضورًا سياسيًا قويًا في ترتيبات ما بعد الأزمة.
أما إذا فشلت المهمة أو تعرضت سفينة لهجوم أثناء المرافقة، فقد يدخل الملف مرحلة أكثر خطورة، لأن أي اعتداء على قافلة تحت حماية أوروبية قد يدفع نحو رد عسكري أوسع، وربما يعيد الولايات المتحدة إلى مركز القيادة المباشرة للأزمة.
أمن الطاقة العالمي يدخل مرحلة جديدة.
التحرك الأوروبي حول مضيق هرمز ليس تفصيلًا عابرًا في أزمة إقليمية، بل مؤشر على أن أمن الطاقة العالمي دخل مرحلة جديدة. بريطانيا وفرنسا تحاولان قيادة مهمة بحرية واسعة لتأمين السفن، وفرنسا تدفع بحاملة الطائرات شارل ديغول إلى المنطقة، وبريطانيا تستعد لإرسال سفينة حربية، بينما ترفع واشنطن نبرة الضغط السياسي على طهران.
وبين الدبلوماسية والسفن الحربية، يبقى مضيق هرمز هو النقطة الأكثر حساسية في المعادلة: ممر ضيق جغرافيًا، لكنه واسع التأثير اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا. وإذا تحولت خطة المرافقة الأوروبية إلى واقع ميداني، فقد نكون أمام بداية مرحلة جديدة في صراع السيطرة على شريان النفط العالمي.


