الحرب مع إيران تضرب قلب االاقتصاد الألماني.. الطاقة والصناعة تحت الضغط
تتزايد الضغوط على االاقتصاد الألماني بصورة واضحة، مع اتساع تداعيات الحرب مع إيران على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم، ما دفع البنك المركزي الأوروبي إلى خفض توقعاته للنمو خلال العام الجاري، في إشارة جديدة إلى أن أكبر اقتصاد أوروبي لم يعد بعيدًا عن نيران التوترات الجيوسياسية.
فألمانيا، التي تعتمد صناعتها الثقيلة على استقرار الطاقة وتدفق المواد الخام وسلاسل التوريد العالمية، تبدو اليوم في مواجهة اختبار اقتصادي معقد، تتداخل فيه الحرب مع مشكلات داخلية قديمة مثل نقص العمالة الماهرة وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة التنافسية.
البنك المركزي الأوروبي يخفض توقعات النمو
وفقًا لأحدث تقديرات البنك المركزي الأوروبي، من المتوقع أن يحقق االاقتصاد نموًا محدودًا لا يتجاوز 0.5% خلال عام 2026 بعد احتساب تأثيرات التقويم، مقارنة بتوقعات سابقة عند 0.6% في ديسمبر الماضي.
ورغم أن الفارق يبدو طفيفًا بالأرقام، فإنه يحمل دلالة مهمة: النظرة إلى االاقتصاد الألماني أصبحت أكثر تشاؤمًا، خاصة مع استمرار الحرب وتزايد تأثيرها على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية.
ماذا يعني نمو 0.5% لألمانيا؟
نمو بهذا المستوى يعني أن االاقتصاد الألماني يتحرك بالكاد فوق خط الركود. فالقطاع الصناعي لا يملك مساحة واسعة للتوسع، والاستهلاك الداخلي يعاني، والشركات تواجه تكاليف أعلى، بينما تظل الثقة االاقتصادية ضعيفة.
وبالنسبة لألمانيا، فإن النمو الضعيف لا يمثل رقمًا اقتصاديًا فقط، بل إنذارًا سياسيًا واجتماعيًا، لأن أي تراجع طويل قد ينعكس على الوظائف والدخول والاستثمار.

الطاقة.. الضربة الأولى من حرب إيران
أكبر قناة تنتقل عبرها تداعيات الحرب إلى ألمانيا هي الطاقة. فالتوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز وأسواق النفط والغاز ترفع تكلفة الطاقة عالميًا، وهو ما يضغط مباشرة على اقتصاد صناعي كثيف الاستهلاك مثل االاقتصاد الألماني.
ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على فواتير الأسر، بل يضرب المصانع من الداخل، خاصة القطاعات التي تعتمد على الغاز والكهرباء بكثافة، مثل الصناعات الكيميائية والمعادن والزجاج والأسمدة.
الصناعات الكيميائية الألمانية في دائرة الخطر
تعد الصناعات الكيميائية واحدة من أكثر القطاعات حساسية تجاه أسعار الطاقة. ومع ارتفاع التكاليف، تصبح الشركات الألمانية أقل قدرة على المنافسة أمام منتجين من دول تمتلك طاقة أرخص أو دعومًا أكبر.
وهنا تتحول الحرب مع إيران من أزمة بعيدة جغرافيًا إلى عبء مباشر على المصانع الألمانية، لأن كل ارتفاع في أسعار الطاقة يعني تكلفة إنتاج أعلى، وهوامش ربح أضعف، وفرصًا أقل للتوسع والتوظيف.
تآكل القوة الشرائية للأسر الألمانية
أوضح البنك المركزي أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة ساهم في تآكل القوة الشرائية للأسر الألمانية، وهو ما انعكس على تراجع مستويات الاستهلاك.
فعندما ترتفع فواتير الطاقة والوقود والغذاء، يعيد المواطن الألماني ترتيب أولوياته، فيؤجل الشراء غير الضروري، ويقلص الإنفاق على السلع والخدمات، ما يضرب قطاع التجزئة والخدمات ويضعف الطلب الداخلي.
الاستهلاك الضعيف يبطئ التعافي
االاقتصاد الألماني لا يعتمد فقط على التصدير، بل يحتاج أيضًا إلى طلب داخلي قادر على دعم النمو. لكن مع استمرار الضغوط على الأسر، تصبح فرص التعافي السريع محدودة، حتى لو تحسنت بعض المؤشرات الصناعية لاحقًا.
التضخم يعود للضغط على الحكومة
تتوقع تقديرات البنك المركزي أن يسجل معدل التضخم المنسق وفق المعايير الأوروبية نحو 2.9% خلال العام الجاري، قبل أن يتراجع إلى 2.7% في 2027، ثم 1.9% بحلول 2025.
ورغم أن هذه الأرقام أقل من ذروات التضخم السابقة، فإنها لا تزال مزعجة، خصوصًا إذا جاءت مدفوعة بأسعار الطاقة لا بقوة الطلب. فهذا النوع من التضخم يضغط على المواطنين والشركات في الوقت نفسه، ولا يمنح االاقتصاد دفعة حقيقية.
تحدٍ أمام حكومة فريدريش ميرتس
تضع هذه التطورات حكومة المستشار فريدريش ميرتس أمام اختبار صعب. فالحكومة مطالبة بدعم االاقتصاد، وتخفيف أعباء الطاقة، وتحفيز الاستثمار، دون أن تؤدي سياساتها إلى إشعال التضخم أو زيادة الضغوط المالية على الموازنة.
سلاسل الإمداد تضيف عبئًا جديدًا
لا تتوقف الأزمة عند الطاقة. فالحرب مع إيران والتوترات العالمية المرتبطة بها تضغط على سلاسل الإمداد، سواء عبر ارتفاع تكاليف الشحن أو تأخر المواد الخام أو زيادة مخاطر النقل البحري.
وهذا يمثل مشكلة كبيرة لألمانيا، لأن نموذجها الصناعي قائم على التكامل بين الإنتاج المحلي والمكونات المستوردة والأسواق الخارجية.
لماذا تتأثر ألمانيا أكثر من غيرها؟
ألمانيا دولة تصديرية بامتياز، وتعتمد شركاتها على وصول منتظم للمكونات والمواد الخام. أي اضطراب في الشحن أو الطاقة أو التكاليف ينعكس سريعًا على الإنتاج، ثم على الأسعار، ثم على التوظيف والاستثمار.
لذلك فإن الحرب مع إيران لا تضرب ألمانيا من باب النفط فقط، بل من باب أوسع: اضطراب البيئة االاقتصادية التي تحتاجها الصناعة الألمانية للعمل بكفاءة.
سوق العمل تحت ضغط مؤقت
أشار التقرير إلى أن سوق العمل الألماني قد يشهد تراجعًا طفيفًا في التوظيف خلال العام الحالي، قبل أن يعود إلى النمو بشكل أوضح اعتبارًا من منتصف العام المقبل، إذا تحسن النشاط االاقتصادي.
لكن هذا التعافي يبقى مشروطًا بتراجع الضغوط الخارجية، واستقرار أسعار الطاقة، وعودة ثقة الشركات في الاستثمار والتوسع.
نقص العمالة الماهرة مشكلة لا تحلها التهدئة
حتى لو انتهت التوترات الجيوسياسية، ستظل ألمانيا أمام تحدٍ هيكلي كبير يتمثل في نقص العمالة الماهرة. وهذه المشكلة تحد من قدرة االاقتصاد على النمو، وتزيد تكاليف العمل، وتؤثر على إنتاجية الشركات.
الإنفاق الحكومي كطوق نجاة
في محاولة لتخفيف التباطؤ، يعوّل صناع السياسات في ألمانيا على زيادة الإنفاق الحكومي، خاصة في مشروعات البنية التحتية، بدعم من صناديق خاصة بمليارات اليورو.
الهدف هو تحفيز الطلب، وخلق وظائف، ودعم الشركات، ومنع االاقتصاد من الانزلاق نحو انكماش أوسع.
هل تكفي مشروعات البنية التحتية؟
الإنفاق على البنية التحتية قد يمنح االاقتصاد دفعة مهمة، لكنه لن يكون كافيًا وحده إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، وظلت سلاسل الإمداد مضطربة، واستمرت الصناعة في فقدان قدرتها التنافسية.
بمعنى آخر، ألمانيا لا تحتاج فقط إلى ضخ أموال، بل إلى استعادة بيئة مستقرة للطاقة والتجارة والإنتاج.
التعافي مؤجل إلى ما بعد الصيف
رغم الصورة القاتمة على المدى القصير، يتوقع البنك المركزي أن يبدأ االاقتصاد الألماني في استعادة بعض زخمه بعد أشهر الصيف الضعيفة.
وتشير التقديرات إلى ارتفاع النمو إلى نحو 0.8% في عام 2027، ثم 1.4% في عام 2025، لكن هذا السيناريو يظل مشروطًا بتراجع أسعار الطاقة، وانحسار التضخم، وتحسن الظروف الخارجية.
بريطانيا أيضًا تحت الضغط
لا تبدو ألمانيا وحدها في مواجهة هذه التداعيات. فقد أظهرت بيانات بريطانية حديثة تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1% في أبريل، متأثرًا بانكماش قطاع الخدمات، رغم تحسن التصنيع والإنشاءات.
ويعكس ذلك أن تداعيات الحرب وارتفاع الطاقة وتكاليف الاقتراض لا تضغط على ألمانيا فقط، بل تمتد إلى اقتصادات أوروبية أخرى، ما يعزز المخاوف من تباطؤ أوسع في القارة.
ألمانيا أمام اختبار صعب
تكشف توقعات البنك المركزي الأوروبي أن الحرب مع إيران أصبحت عامل ضغط حقيقي على أكبر اقتصاد أوروبي، عبر ثلاث قنوات رئيسية: الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتضخم.
فاالاقتصاد الألماني يدخل 2026 بنمو ضعيف عند حدود 0.5%، وصناعة مثقلة بتكاليف الطاقة، وأسر تعاني تراجع القوة الشرائية، وشركات تواجه منافسة أصعب في الأسواق العالمية.
ورغم توقعات التعافي التدريجي في 2027 و2025، فإن الطريق لن يكون سهلًا. فاستقرار االاقتصاد الألماني بات مرتبطًا ليس فقط بإصلاحات داخلية، بل أيضًا بما سيحدث خارج حدوده: في إيران، ومضيق هرمز، وأسواق الطاقة، وسلاسل التجارة العالمية.
وبين الحرب والتضخم والعمالة والطاقة، تقف ألمانيا أمام سؤال حاسم: هل تستطيع حماية نموذجها الصناعي في عالم أصبح أكثر اضطرابًا وأعلى تكلفة؟


