خرج الرئيس السوري أحمد الشرع بخطاب وُصف من قبل مراقبين بأنه الأغرب والأكثر شاعرية في آن واحد. خطاب لا يبدأ من لغة الأرقام أو العقود أو التفاهمات التقنية، بل من العاطفة والانتماء والذاكرة السياسية، تحت عنوان لافت: «استثمار المحبة».
الشرع، خلال لقائه وفد اتحاد غرف التجارة المصرية في دمشق، قدّم طرحًا غير مسبوق يدمج الوجدان بالاقتصاد، ويعيد تعريف مفهوم المصالح بين الدول، واضعًا مصر في قلب هذه المعادلة.
خلفية وجدانية تتحول إلى سياسة
«عشنا على النغمة المصرية»
في حديث خرج عن النصوص البروتوكولية المعتادة، كشف الشرع أن علاقته بمصر ليست طارئة ولا محكومة بظرف سياسي، بل ممتدة إلى تكوينه الشخصي والعائلي.
قال إن والده كان ناصريًا ووحدويًا، وعارض الأنظمة التي انقلبت على مشروع الوحدة، موضحًا:
«عشنا في البيت على النغمة المصرية، وعندنا تعلق بها وشعور بنوع من الانتماء لها».
هذا البعد الوجداني، وفق قراءة سياسية، لم يكن استدعاءً عاطفيًا فقط، بل تأسيسًا ناعمًا لشراكة استراتيجية قائمة على القبول الشعبي قبل التفاهمات الرسمية.
تطابق المصالح… من العاطفة إلى الاستراتيجية
مصر وسوريا: اعتماد متبادل لا ترف سياسي
انتقل الشرع سريعًا من الذكريات إلى الحسابات، مؤكدًا وجود تطابق كبير في المصالح الاستراتيجية بين القاهرة ودمشق، ومشددًا على أن البلدين بحاجة إلى الاعتماد على بعضهما البعض في مواجهة التحديات:
-
اقتصاديًا
-
سياسيًا
-
أمنيًا واستراتيجيًا
وأكد أن أي تقارب مصري سوري عبر التاريخ لم ينعكس نفعه على البلدين فقط، بل على المنطقة بأسرها، معتبرًا أن الشراكة بينهما ليست خيارًا ترفيهيًا، بل واجبًا سياسيًا واقتصاديًا.

«استثمار المحبة»… المفهوم الأكثر غرابة
رأس مال غير منظور
في أكثر مقاطع حديثه إثارة للانتباه، قدّم الشرع تعريفًا غير مألوف للاستثمار، بعيدًا عن المال والأسواق، قائلًا إن أهم استثمار في الواقع السوري اليوم هو حالة المحبة العربية والإسلامية التي تفاعلت مع الحدث السوري.
وأضاف بلهجة لافتة:
«يعلم الله أن هذا عندي أهم من مال الدنيا بأكمله… أن نرى محبة الشعوب لبعضها، وأن يؤلمها ما يؤلمنا ويفرحها ما يفرحنا… هذا أكبر استثمار يمكن أن نحصل عليه».
سياسيًا، يقرأ هذا الطرح كمحاولة لإعادة إدماج سوريا عربيًا عبر بوابة الوجدان الجمعي، تمهيدًا لتطبيع اقتصادي أوسع وأعمق.
الاقتصاد أولًا… حين تتجاوز المصالح الخلافات
أقرّ الشرع بأن المصالح قد تتعارض أحيانًا، لكن المصالح الاقتصادية تظل الأعلى، مؤكدًا أنها لا تعرف القطيعة طويلة الأمد. هذا التصريح يعكس توجهًا براغماتيًا يضع الاقتصاد كرافعة لتجاوز الخلافات السياسية.
مصر وإعادة إعمار سوريا
«الشركات المصرية أولى الناس»
تحدث الشرع عن مرحلة جديدة تمر بها سوريا، خاصة بعد رفع العقوبات، معتبرًا أن ذلك فتح أبوابًا واسعة للاستثمار. وفي هذا السياق، وجّه دعوة واضحة للشركات المصرية للمشاركة في إعادة الإعمار، قائلًا إنها أولى الناس بهذه الفرص.
وأشاد بما وصفه بـ«الخبرات العظيمة» التي راكمتها مصر خلال السنوات العشر الأخيرة، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا سيما في:
-
البنية التحتية
-
الطاقة
-
المشروعات القومية الكبرى
الملتقى الاقتصادي… ترجمة عملية للخطاب
وجاء هذا الخطاب على هامش الملتقى الاقتصادي السوري المصري المشترك، الذي عُقد في فندق البوابات السبع بدمشق، بتنظيم من اتحادي غرف التجارة في البلدين، وبرعاية وزارة الاقتصاد والصناعة السورية.
الملتقى مثّل الإطار العملي لتحويل «استثمار المحبة» إلى استثمار فعلي، عبر شراكات ومشروعات وتفاهمات اقتصادية منتظرة.
قراءة تحليلية: لماذا الآن؟!
يرى محللون أن توقيت هذا الخطاب ليس عفويًا، بل يعكس:
-
رغبة سورية في جذب استثمارات عربية موثوقة
-
إدراكًا لدور مصر المحوري إقليميًا
-
محاولة لتأسيس علاقة تبدأ من الشعوب ولا تتوقف عند الحكومات
وهو ما يجعل خطاب الشرع واحدًا من أغرب، وربما أذكى، الخطابات السياسية الاقتصادية في المرحلة الراهنة.
لغة القلب ولغة الحسابات !!!!
بين لغة القلب وحسابات الدولة، حاول أحمد الشرع رسم مسار جديد للعلاقات المصرية السورية، عنوانه العريض «المحبة أولًا». خطاب قد يبدو غير تقليدي، لكنه يحمل في طياته محاولة لإعادة تعريف الاستثمار، ليس فقط كأموال تُضخ، بل كثقة تُبنى، وشعوب تتقارب، واقتصاد يجد طريقه عبر بوابة الوجدان قبل الاتفاقيات.


