عودة التعليم من قلب الرماد
في مشهد يختزل معنى الصمود والكرامة، تجلس الطفلة تولين الهندي، ذات السبعة أعوام، على الأرض وسط خيمة بلاستيكية، تحيط بها زميلاتها في صف ضيق وبارد، بينما يتردد في الأجواء أصوات إطلاق النار والانفجارات القادمة من مواقع الاحتلال الإسرائيلي على بعد أقل من كيلومتر. ورغم كل ذلك، تشعر تولين بالسعادة: لقد عادت أخيرًا إلى مقعد دراسي – أو ما يشبهه – بعد أكثر من عامين من الانقطاع بسبب الحرب المستمرة.
"صح إن إحنا مش نقعد على كراسي ولا شي، بس الحمد لله صرنا نقعد في المدرسة... بدنا مدارس هيك نقرأ فيها ونكتب عشان نصير كبار وشاطرين"، تقول تولين بحماس يبعث على الانبهار أكثر من الشفقة.
التعليم بين الرصاص والنزوح
تقع "مدرسة الشمال التعليمية" في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وقد أُنشئت بشكل مؤقت في خيام زرقاء على أنقاض البيوت المهدمة. هناك، يتلقى نحو 400 طفل تعليمهم يوميًا، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان، على مرمى البصر من "الخط الأصفر" الذي تسيطر عليه القوات الإسرائيلية.
داخل إحدى الخيام، تجلس أكثر من 12 فتاة على الأرض وقد وضعن دفاترهن على صناديق خشبية، ويرددن بمرح ما تمليه عليهن المعلمة، في محاولة لصنع مساحة حياة داخل مساحة موت.
ورغم فرحتها، تعيش والدة تولين، السيدة ياسمين العجوري، في قلق دائم: "ديري بالك، إداري في حيطة، اسرعي في الطريق"، ترددها كوصايا يومية قبل خروج ابنتها، كمن يودّعها لا يرسلها للتعلّم.
مدارس على خط النار
ما يحدث في بيت لاهيا لا يمكن وصفه إلا بمحاولة بطولية لإحياء العملية التعليمية في منطقة أشبه بساحة حرب. تقول يارا أبو غلوة، المشرفة في المدرسة: "يوميا بيصير طخ... علمنا الولاد إنه أول ما نسمع الطخ ناخد وضعية النوم. هذا مش أمان، بس هذا الموجود عنا".
رغم وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025، ما تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من نصف قطاع غزة وتمنع الفلسطينيين من دخول مناطقهم السابقة، بعد أن سُوِّيت معظم الأبنية بالأرض. وتُتهم القوات الإسرائيلية بتحريك العلامات الخرسانية "الخط الأصفر" باتجاه الغرب – بما يتجاوز الحدود المعلنة لسيطرتها – وهو ما تنفيه إسرائيل.
منذ بدء تنفيذ اتفاق التهدئة، قُتل أكثر من 440 فلسطينيًا، بينهم أطفال، في إطلاق نار متفرق على الحدود، في مقابل مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية.

أكثر من 71 ألف شهيد.. والحرب مستمرة
تشير إحصاءات وزارة الصحة في غزة إلى أن العملية العسكرية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023 أسفرت عن مقتل أكثر من 71 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال. الحرب اندلعت عقب هجوم مباغت قادته حماس على جنوب إسرائيل أسفر عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي.
لكن تداعيات الحرب تجاوزت حصيلة الشهداء. فقد دفعت المعارك ملايين الفلسطينيين للنزوح من بيوتهم نحو مخيمات وخيام مؤقتة، حيث لا ماء ولا طعام كافٍ، ولا ضمانة للحياة. ومع ذلك، تصر العائلات، كما المعلمون، على استمرار التعليم ولو في خيمة على حافة الموت.


