في حوار ممتد يكشف الكثير من التفاصيل الفنية والإنسانية، تفتح الفنانة القديرة مديحة حمدي صفحات من تجربتها الطويلة في الفن والإنتاج والعمل العام، لتتحدث عن محطات مختلفة جمعت بين الدراما والإذاعة والإنتاج المنفذ والعمل الاجتماعي، إلى جانب رؤيتها العميقة لتحولات الصناعة الفنية خلال العقود الأخيرة.
الحوار لا يقف عند حدود الذكريات أو استعادة الماضي، بل يمتد إلى قراءة واقعية لحاضر الصناعة الفنية، من حيث ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتغير شكل الدراما التاريخية، ودور السوشيال ميديا، وطبيعة العلاقة بين الفنان والجمهور. كما تتطرق الفنانة إلى تجاربها الشخصية داخل الإنتاج، وفترات من التحدي المادي، ومواقف إنسانية لا تُنسى مع كبار نجوم الفن، من بينهم الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة.
إنه حوار يكشف الجانب الإنساني خلف الكواليس، ويعيد رسم صورة فنانة لم تنفصل يومًا عن هموم المهنة والمجتمع.
كيف ترين تجربتكِ مع العمل الاجتماعي بعد الحجاب؟ وهل كان ذلك تحولًا أم امتدادًا لمسيرتكِ؟
في الحقيقة أنا لا أعتبره تحولًا بقدر ما هو امتداد طبيعي لشخصيتي ومسيرتي. بعد الحجاب لم أبتعد عن الحياة العامة، بالعكس، أصبحت أكثر قربًا من العمل الاجتماعي والنشاط التوعوي.
كما أن لي تجارب سابقة في مبادرات تعليم الفتيات، وكنت حريصة على النزول إلى الميدان بنفسي، والجلوس مع الأمهات والناس بشكل مباشر، لأن التواصل الحقيقي لا يحدث من خلال الكلام فقط، بل من خلال الاحتكاك الواقعي بالناس ومعرفة تفاصيل حياتهم.
هذا النوع من العمل بالنسبة لي ليس نشاطًا جانبيًا، بل هو امتداد طبيعي لدور الإنسان في مجتمعه، ودور الفنان تحديدًا في التأثير الإيجابي ونشر الوعية.
بالنسبة لي، الفنان ليس دوره فقط داخل العمل الفني، لكن له دور في المجتمع أيضًا، في نشر الوعي، وفي التأثير الإيجابي، وفي لمس احتياجات الناس بشكل مباشر.
حصلتِ على تكريم “صُنّاع الأمل”.. ماذا مثّل لكِ هذا التكريم؟

جائزة “صُنّاع الأمل” بالنسبة لي من أهم المحطات في حياتي. هي جائزة كبيرة، وهذا في حد ذاته تقدير كبير أعتز به.
لكن الأهم من التكريم نفسه هو فكرة الجائزة. فكرة “صناعة الأمل” فكرة إنسانية عظيمة جدًا، لأننا جميعًا نعيش على الأمل، لكن ليس كلنا نصنعه للآخرين.
أنا مؤمنة أن أي أثر حقيقي في الحياة يبدأ من فعل بسيط جدًا، لكنه صادق، يمكن أن يغير حياة إنسان أو يخفف عنه أو يمنحه دافعًا للاستمرار.
كيف ترين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صناعة الفن اليوم؟
السوشيال ميديا سلاح ذو حدين. في بعض الأحيان قد تؤثر بشكل سلبي على العمل، لأنها “تحرق” الأحداث قبل عرضها، فيفقد الجمهور عنصر المفاجأة والتشويق.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أنها ساعدت بشكل كبير في انتشار الفنان، وجعلت الوصول إلى الجمهور أسهل وأوسع من أي وقت مضى.
أصبح الفنان اليوم قادرًا على الوصول إلى جمهور في مختلف دول العالم، وليس فقط داخل بلهذا أو محيطه العربي.
برأيك.. لماذا تراجعت الدراما التاريخية والدينية في السنوات الأخيرة؟
الدراما التاريخية والدينية من أصعب أنواع الدراما على الإطلاق، وهذا سبب رئيسي في تراجعها خلال الفترة الأخيرة.
الموضوع ليس فكرة أو سيناريو فقط، لكن هو منظومة كاملة من الإنتاج والتفاصيل الدقيقة جدًا.
هذه النوعية من الأعمال تحتاج ميزانيات ضخمة، لأن كل شيء فيها مُصمم بعناية: الملابس، الديكورات، أماكن التصوير، اللغة، وحتى طريقة الأداء.
أنتِ تتكلمين عن عصور مختلفة تمامًا، كل عصر له شكله وملابسه وإكسسواراته وطبيعته الخاصة، من العصر الإسلامي بمراحله المختلفة إلى العصور التاريخية الأخرى، وكل مرحلة تحتاج بحثًا وتجهيزًا دقيقًا جدًا.
حتى اللغة نفسها تمثل تحديًا كبيرًا، لأن الممثل لا يمكنه الارتجال بسهولة، خصوصًا في النصوص الدينية أو التاريخية التي تعتمد على الفصحى أو الاقتباسات، وهنا أي خطأ بسيط قد يغيّر المعنى بالكامل.

الدراما التاريخية والدينية من أصعب أنواع الدراما على الإطلاق، وهذا سبب رئيسي في تراجعها خلال الفترة الأخيرة.
إلى جانب الدراما التلفزيونية، لكِ تاريخ طويل مع الإذاعة.. كيف ترين الإذاعة اليوم مقارنة بالماضي؟
الإذاعة ما زالت موجودة ولم تختفِ، لكنها تغيرت. كانت في الماضي مدرسة كبيرة تعتمد على الصوت فقط، أما الآن فالمنافسة أصبحت مختلفة بسبب الصورة والمنصات الحديثة.
لكن الإذاعة ما زالت محافظة على قيمتها، خصوصًا في الأعمال التي تعتمد على اللغة العربية الفصحى والأداء الصوتي.
من هم أبرز من تأثرتِ بهم في الإذاعة والتمثيل؟
تأثرت بجيل كبير من الرواد، ومنهم الفنان الكبير محمود مرسي، الذي كان صوته وحهذا يصنع حالة درامية كاملة.
هذا الجيل كان يتميز بالالتزام والدقة واللغة القوية، وهو ما جعل أعمالهم تظل راسخة حتى الآن.
تحدثتِ من قبل عن فكرة “الشللية” داخل الوسط الفني
أفضّل أن نطلق عليها “مجموعات فنية” أكثر من وصفها بالشللية بالمعنى السلبي. فالفنان بطبيعته يرتاح للعمل مع أشخاص يفهمونه فنيًا وإنسانيًا، ويحدث بينهما انسجام في العمل.
وأنا شخصيًا لم أكن ضمن ما يُسمى بـ«الشلل» الفنية، لكنني عاصرت تجارب كثيرة لفنانين ومخرجين كانوا يفضلون العمل مع أشخاص اعتادوا التعاون معهم، مثل المخرج نور الدمرداش، والمخرج إبراهيم الشقنقيري، والمخرج يوسف مرزوق، وأعمال “ألف ليلة وليلة”.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود مجاملات أو إقصاء للآخرين، بل إن بعض الفنانين والمخرجين يفضلون العمل داخل دائرة من التفاهم والثقة، حيث يكون كل شخص مناسبًا للدور الذي يقدمه، بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية. وعندما يسود الاحترام والالتزام داخل فريق العمل، فمن الطبيعي أن تتكرر التجارب الناجحة بينهم.
ما أكثر موقف ما زلتِ تتذكرينه مع الفنان عبد الرحمن أبو زهرة؟
كانت تجمعني بالأستاذ عبد الرحمن كيمياء فنية خاصة، كما حدث أيضًا مع الفنان أشرف عبد الغفور والفنان عبد الله غيث، إذ أحب الجمهور رؤيتنا معًا في أعمال مشتركة.
وأتذكر موقفًا إنسانيًا لن أنساه أبدًا. في فترة من الفترات كنت أعمل كمنتج منفذ، وواجهنا أزمة مالية أدت إلى تأخر مستحقات بعض الفنانين. وعندما جاء دور الأستاذ عبد الرحمن للحصول على مستحقاته، اعتذر له الإنتاج وأخبرته أن الأمر سيتأخر يومين أو ثلاثة، ففاجأني برهذا الراقي قائلًا: “قوموا أولًا بسداد مستحقات الجميع، أما أنا فسأنتظر”. بل وعرض بنفسه أن يساهم في حل الأزمة وأن يدفع من ماله الخاص إذا لزم الأمر، حتى لا يتضرر أحد من فريق العمل.
هذا الموقف ظل محفورًا في ذاكرتي، لأنه كشف عن إنسان نبيل يحمل قدرًا كبيرًا من الشهامة والاحترام للآخرين، قبل أن يكون فنانًا كبيرًا بقيمته ومكانته الفنية.
هل اعتزلتِ الفن بالفعل بعد الحجاب؟
أنا لم أعتزل الفن، لكنني أختار الأعمال التي تناسب سني وحجابي وقناعاتي. لم أقبل يومًا عملًا أشعر أنه لا يشبهني أو لا أرتاح له.
وماذا قال لكِ الشيخ الشعراوي حين استشرتِه بشأن التمثيل؟
ذهبت للقاء فضيلة الإمام الراحل محمد متولي الشعراوي، وكان في فترة كان فيها متعبًا صحيًا، ويجلس بجواره جهاز الأوكسجين، لكن رغم ذلك كانت ملامحه هادئة جدًا وكلامه مليء بالسكينة.
تحدثت معه بكل صدق، وقلت له إنني أحب عملي، لكنني أريد أن أفهم كيف أوازن بين عملي وبين ما يرضي ضميري وديني، وكيف أميز بين ما هو مناسب لي وما لا يناسبني.
كان رهذا بسيطًا جدًا لكنه عميق، وضرب لي مثالًا قريبًا من الحياة اليومية:
قال إن الكوب نفسه يمكن أن نضع فيه ماء فيصبح حلالًا، أو نضع فيه شيئًا محرمًا، فالفكرة ليست في الشيء نفسه، لكن في كيفية استخدامه.
أن الشيء الواحد يمكن أن يكون طيبًا أو غير ذلك حسب ما يوضع فيه، وأن الأصل أن الإنسان يميز بعقله وقلبه بين ما هو واضح وصريح، لأن الحلال بيّن والحرام بيّن.
هذا الحوار ظل في ذهني كثيرًا، لأنه لم يكن مجرد إجابة، بل كان طريقة تفكير كاملة تعطي الإنسان راحة داخلية في قراراته.
كيف تنظرين إلى فكرة الأسرة في حياة الفنان، وهل شعرتِ يومًا أن العمل قد يأخذ مساحة من حياتكِ الشخصية؟
الفن بالنسبة لي جزء مهم من حياتي، لكن ليس كل الحياة.
مع الوقت أصبحت أؤمن أكثر بفكرة التوازن، بين العمل وبين البيت وبين الأسرة.
لأن الإنسان في النهاية لا يعيش من أجل الشاشة فقط، لكن يعيش من أجل استقرار داخلي وأسرة وبيت وراحة نفسية.
كنت دائمًا أرى أن تكوين أسرة مستقرة وتربية أبناء وبناء بيت هادئ له قيمة كبيرة جدًا، لا تقل أبدًا عن قيمة أي نجاح مهني.
بل أحيانًا يكون هذا الجانب هو الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار في العمل نفسه.
ولهذا كنت حريصة أن يكون في حياتي مساحة للأسرة
كيف ترين الفنانة ياسمين عبد العزيز من حيث الحضور والموهبة؟
أنا بصراحة من الناس التي تستمتع جدًا بمتابعة الأعمال التي تجمع الفنانة ياسمين عبد العزيز مع الفنان كريم فهمي، لأن بينهما حالة فنية لطيفة ومريحة للجمهور، فيها خفة ظل وفي نفس الوقت فيها إحساس إنساني قريب من الناس.
ياسمين تحديدًا لديها حضور مختلف، لأنها لا تعتمد فقط على الأداء، لكن على القبول الطبيعي عند الجمهور، وهذا شيء مهم جدًا في أي فنان.
هي فنانة مرت في حياتها بمراحل وتجارب صعبة، وهذا ظهر في أكثر من فترة، خصوصًا وقت الأزمة الصحية التي تعرضت لها، والتي كان لها تأثير كبير على جمهورها وعلى صورتها الإنسانية قبل الفنية.
لكن رغم كل ذلك، قدرت ترجع وتكمل بشكل قوي، وهذا في حد ذاته دليل على قوة الشخصية والإصرار، وليس فقط الموهبة.
وماذا عن الفنانة مي عمر.. هل ترين أن ارتباطها بالمخرج محمد سامي أثر على نجاحها الفني؟
الفنانة مي عمر من الأسماء التي فرضت نفسها خلال السنوات الأخيرة
أنا شخصيًا لا أحب ربط نجاح أي فنان فقط بعلاقته الشخصية أو العائلية، لأن في النهاية الموهبة هي التي تثبت نفسها أمام الجمهور على المدى الطويل.
كثير من الفنانين الكبار في التاريخ كانت لديهم علاقات أو ارتباطات داخل الوسط الفني، لكن هذا لم يكن يومًا هو سبب الاستمرار الحقيقي، وإنما الموهبة والقدرة على التمثيل هي التي تصنع الفرق.
وأحب دائمًا أن أضرب مثالًا واضحًا في هذا السياق بالفنانة الكبيرة الراحلة فاتن حمامة، التي كانت متزوجة من المخرج الكبير عز الدين ذو الفقار، ومع ذلك لم يكن نجاحها قائمًا على هذا الأمر، بل على موهبتها الكبيرة جدًا وحضورها الاستثنائي.
في النهاية، الجمهور لا يحتفظ إلا بالفنان الحقيقي، الذي يملك موهبة وقدرة على الاستمرار والتأثير، وليس فقط أي عوامل أخرى قد تحيط به.


