لصالح من ما يحدث في الشرقية للدخان؟ أزمة عمال تفتح باب الأسئلة
تعيش الشركة الشرقية للدخان، واحدة من أقدم الشركات المساهمة في مصر، حالة واسعة من الجدل خلال الفترة الأخيرة، بعد تصاعد شكاوى ونداءات من عاملين سابقين وحاليين بشأن برنامج التخارج الرضائي، وما تبعه من مخاوف حول مستقبل العمالة والفروع والنشاط الرياضي داخل هذا الصرح الصناعي الكبير.
الشركة التي تأسست قبل أكثر من قرن، وتمثل اسما بارزا في الصناعة المصرية، تجد نفسها اليوم أمام سؤال حساس يتردد بين العاملين والمتابعين: هل ما يحدث هو إعادة هيكلة حقيقية لصالح التطوير والاستثمار، أم أن الثمن الاجتماعي والمهني أصبح أكبر من أن يتم تجاهله؟
الشرقية للدخان.. صرح صناعي عمره أكثر من قرن
تعد الشرقية للدخان من الشركات التاريخية في مصر، إذ ارتبط اسمها لعقود طويلة بالصناعة الوطنية، وبآلاف العاملين الذين ساهموا في بناء إنتاجها وانتشارها داخل السوق المصري.
ولا ينظر كثير من العمال إلى الشركة باعتبارها جهة عمل فقط، بل يعتبرونها كيانا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا، ارتبطت به أسر كاملة، وأجيال من العاملين في المصانع والفروع والقطاعات المختلفة.
التخارج الرضائي يثير الجدل
خلال السنوات الأخيرة، ظهر ملف التخارج الرضائي أو المعاش المبكر داخل الشركة كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل، خاصة مع شكاوى عمالية تقول إن التخارج لم يعد، من وجهة نظرهم، اختيارا كاملا، بل تحول إلى ضغط مباشر أو غير مباشر على العاملين للخروج.
وتشير تقارير صحفية إلى أن برنامج التخارج الاتفاقي شهد تقدم أعداد كبيرة من العاملين، إذ ذكرت تقارير أن نحو 1900 عامل تقدموا بطلبات ضمن برنامج 2026، مع توقعات بانخفاض عدد العاملين إلى نحو 2000 عامل بعد الانتهاء من البرنامج، بعدما بلغ عدد العاملين 4700 بنهاية 2025 وفق مصادر نقلت عنها وسائل إعلام.

أرقام متداولة وشكاوى تحتاج إلى توضيح رسمي
تتداول شكاوى عمالية أرقاما أكبر بشأن عدد من خرجوا أو جرى الضغط عليهم للخروج، وتصل في بعض المنشورات إلى الحديث عن خروج آلاف العاملين من أصل قوة عمل أكبر.
لكن من المهم، مهنيا وقانونيا، التأكيد أن الأرقام الدقيقة تحتاج إلى بيان رسمي محدث من إدارة الشركة أو الجهات الرقابية أو النقابية، خاصة أن الأرقام المنشورة في وسائل الإعلام اختلفت بين مراحل متعددة من برامج التخارج.
تخارج رضائي أم خروج تحت الضغط؟
السؤال الأهم في الأزمة ليس عدد الخارجين فقط، بل طبيعة الخروج نفسه.
فمصطلح "التخارج الرضائي" يفترض أن العامل يختار إنهاء خدمته بإرادته مقابل مزايا مالية معلنة، لكن شكاوى بعض العاملين تقول إن الواقع مختلف، وإن هناك ضغوطا أو نقلًا أو تضييقا يدفع العامل إلى قبول التخارج حتى لو لم يكن راغبا فيه.
وفي تقارير سابقة، جرى الحديث عن برامج للمعاش المبكر والتخارج الاتفاقي داخل الشركة، مع تحديد حد أدنى لمكافآت نهاية الخدمة في بعض المراحل، بينما أكدت الشركة سابقا أن قبول التخارج يتم عبر لجان إدارية مختصة.
العامل بين الخوف والاختيار
إذا شعر العامل أن بقاءه سيعرضه للنقل أو التهميش أو التضييق، فإن فكرة الاختيار تصبح محل تساؤل.
وهنا تظهر أهمية الشفافية: هل يحصل العاملون على فرصة حقيقية للاختيار؟ هل تتم الاستجابة لرغباتهم دون ضغط؟ هل توجد آلية تظلم واضحة لمن يرفض التخارج؟ وهل تحافظ الشركة على خبراتها الأساسية بعد خروج هذا العدد من العمالة؟
الاستثمار لا يعني إهدار الموارد البشرية
لا يرفض أحد التطوير أو الاستثمار أو إعادة الهيكلة إذا كانت تهدف إلى تحسين الأداء وزيادة الإنتاجية وفتح أسواق جديدة.
لكن الأزمة تبدأ عندما يشعر العاملون أن الاستثمار يستخدم كعنوان لتقليص العمالة فقط، دون خطة واضحة للحفاظ على الخبرات الفنية والإدارية التي تراكمت داخل الشركة على مدار سنوات طويلة.
فالموارد البشرية في شركة بحجم الشرقية للدخان ليست رقما في كشف أجور فقط، بل هي ذاكرة تشغيلية، وخبرة إنتاجية، وشبكة معرفة متراكمة يصعب تعويضها بسرعة.
ماذا عن فروع منوف وأبو تيج والإسكندرية؟
تتضمن الشكاوى العمالية مخاوف من تأثير التخارج والنقل وإعادة الهيكلة على العاملين في الفروع والمصانع المختلفة، ومن بينها مصنع منوف، وأبو تيج، والإسكندرية، وغيرها من المواقع التابعة للشركة.
ويخشى العمال أن يؤدي تقليص الأعداد أو نقل الكوادر إلى إضعاف القدرة التشغيلية أو تحويل بعض الفروع إلى كيانات هامشية، بدلا من تطويرها والاستفادة من خبراتها.
سؤال الكفاءة بعد خروج الخبرات
إذا خرجت أعداد كبيرة من أصحاب الخبرة، فالسؤال الطبيعي هو: من سيحافظ على جودة التشغيل؟ وهل توجد خطة واضحة لنقل الخبرات إلى أجيال جديدة؟ وهل تم تدريب بدائل مؤهلة قبل خروج العاملين القدامى؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة، لأن أي عملية إعادة هيكلة لا تراعي نقل الخبرة قد تتحول إلى خسارة طويلة المدى.

نادي الشرقية للدخان والكوادر الرياضية في دائرة القلق
لم تقف المخاوف عند حدود المصانع والفروع، بل امتدت أيضا إلى النشاط الرياضي داخل نادي الشرقية للدخان.
وتتحدث الشكاوى عن نقل بعض الكوادر الرياضية من أماكنهم داخل النادي، رغم أن بعضهم يملك تاريخا في تمثيل مصر في المحافل الدولية أو العمل داخل منظومة رياضية لها حضورها.
ويرى أصحاب هذه الشكاوى أن الرياضة داخل الشركة أصبحت في مهب الريح، وأن ما يحدث يمثل تهديدا لهوية النادي ودوره الاجتماعي والرياضي.
لصالح من ما يحدث؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة.
إذا كان الهدف هو الاستثمار، فالاستثمار الحقيقي يجب أن يحافظ على العمالة الماهرة، ويطور خطوط الإنتاج، ويزيد الربحية، ويصون حقوق العاملين، ويحافظ على الكيانات الاجتماعية والرياضية المرتبطة بالشركة.
أما إذا تحول الأمر إلى خروج جماعي للعمالة، ومخاوف من إضعاف الفروع، وتراجع دور النادي، وغياب الشفافية في التواصل، فإن السؤال يصبح مشروعا: لصالح من تتم هذه السياسات؟
المطلوب من إدارة الشركة والجهات المختصة
الأزمة تحتاج إلى مصارحة لا إلى تجاهل.
ومن المهم أن تصدر الشركة أو الجهات المعنية توضيحا للرأي العام والعاملين حول:
عدد العاملين قبل وبعد برامج التخارج.
عدد من تقدموا للتخارج بإرادتهم.
الضمانات المقدمة لمن يرفض التخارج.
مصير الفروع والمصانع المختلفة.
خطة الحفاظ على الخبرات الفنية.
مستقبل النشاط الرياضي ونادي الشرقية للدخان.
آليات التظلم للعاملين المتضررين من النقل أو القرارات الإدارية.
كيان اقتصادي واجتماعي عمره أكثر من 100 عام
الشرقية للدخان ليست مجرد شركة عادية، بل كيان اقتصادي واجتماعي عمره أكثر من 100 عام، وأي تغيير داخله يجب أن يتم بحسابات دقيقة تراعي الاستثمار والعمال معا.
فالتطوير لا يكون بإهدار الخبرات، والاستثمار لا ينجح إذا تسبب في شعور آلاف الأسر بالتهديد، وإعادة الهيكلة لا تكتمل إلا بالشفافية والعدالة وحماية الحقوق.
تبقى الكلمة الأخيرة للبيانات الرسمية والتحقيقات والجهات المختصة، لكن المؤكد أن ما يحدث داخل الشرقية للدخان يستحق نقاشا عاما واضحا، لأن السؤال لم يعد عماليا فقط، بل أصبح سؤالا اقتصاديا واجتماعيا: لصالح من؟


