لم يمرّ إعلان الولايات المتحدة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما قسرًا خارج البلاد كحدث عابر في العواصم الأوروبية. فبالنسبة لدوائر صنع القرار في بروكسل وبرلين وباريس، لم يكن الأمر مجرد تصعيد جديد في أمريكا اللاتينية، بل زلزالًا سياسيًا وقانونيًا يهدد الأسس التي قام عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومع تنامي تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليس فقط تجاه فنزويلا بل أيضًا تجاه دول مثل كولومبيا، يتعزز القلق الأوروبي من دخول العالم مرحلة جديدة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة العارية، لا بالقانون ولا بالمؤسسات الدولية.
داخل أوروبا، يتردد سؤال واحد بصوت مرتفع: إذا كان اختطاف رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة ممكنًا اليوم، فمن سيكون الهدف التالي غدًا؟
صدمة دبلوماسية في أوروبا
أثار اعتقال مادورو ونقله خارج فنزويلا صدمة غير مسبوقة في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية. ووفق توصيف عدد من المراقبين، فإن ما جرى يشكل سابقة خطيرة لم تشهدها العلاقات الدولية الحديثة، إذ تم تجاوز:
-
سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة
-
ميثاق الأمم المتحدة
-
الأعراف التي حكمت النظام الدولي منذ 1945
«رسالة قوية… ومخيفة»
في حديث لوكالة تاس، قال دبلوماسي أوروبي رفيع في بروكسل إن:
«اختطاف مادورو بالقوة يرسل إشارة واضحة للعالم بأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة لتحقيق أهدافها السياسية، حتى لو اقتضى ذلك انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة».
وأضاف محذرًا:
«هذه الرسالة وصلت إلى أوروبا، ولأول مرة منذ 75 عامًا من عمر حلف الناتو، لا تشعر الدول الأوروبية بأنها شريكة في هذه السياسة، بل قد تصبح أهدافًا محتملة لها».
أوروبا والخوف من أن تكون الهدف التالي
يربط دبلوماسيون أوروبيون بين ما جرى في فنزويلا وبين:
-
تهديدات ترامب المتكررة بالسيطرة على غرينلاند
-
ضغوطه على دول أوروبية في ملفات الطاقة والدفاع
-
استخدامه لغة الإكراه بدل الشراكة
هذا التحول، بحسب مصادر أوروبية، يفاقم الفراغ الأمني في القارة، ويدفع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خطط:
-
إعادة التسلح
-
بناء قدرات دفاعية مستقلة
-
تقليص الاعتماد على المظلة الأمريكية
-

«مبدأ دونرو»: نسخة ترامب من الهيمنة
العملية العسكرية التي وصفها ترامب بأنها «مثالية» واستغرقت «أقل من 30 دقيقة»، كشفت – وفق تقارير – أن الهدف لم يكن مكافحة تهريب المخدرات، بل:
-
شل الدفاعات الجوية
-
قصف القواعد العسكرية
-
تعطيل المطارات
ما يؤكد أن الغاية كانت إسقاط النظام لا محاربة الجريمة.
من مونرو إلى دونرو
بإعلانه النصر من منتجع مارالاغو، وضع ترامب حجر الأساس لما يسميه محللون:
«مبدأ دونرو»
وهو تحديث لمبدأ مونرو، ينص على أن:
«نصف الكرة الغربي هو الحديقة الخلفية الحصرية للولايات المتحدة».
وتنص الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة بوضوح على:
«منع أي قوى خارجية من نشر قوات أو امتلاك أصول استراتيجية في المنطقة».
إدانة من الحلفاء قبل الخصوم
اللافت أن الانتقادات لم تقتصر على خصوم واشنطن.
مواقف دولية بارزة
-
روسيا: وصفت العملية بـ«العدوان المسلح»، ودعت لاجتماع عاجل لمجلس الأمن.
-
البرازيل: اعتبر الرئيس لولا دا سيلفا ما جرى «سابقة خطيرة للمجتمع الدولي».
-
كوبا: وصفت الخطوة بأنها «إرهاب دولة».
-
المكسيك: رأت فيها انتهاكًا صارخًا للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
أوروبا بين القلق والانقسام
-
سويسرا والنمسا طالبتا باحترام السيادة وحظر استخدام القوة.
-
الاتحاد الأوروبي اكتفى بالدعوة إلى «ضبط النفس»، في موقف يعكس انقسامًا داخليًا بين:
-
الرغبة في رحيل مادورو
-
والرفض المطلق لطريقة الإطاحة به
-
فراغ دستوري وفوضى محتملة
ينص الدستور الفنزويلي على انتقال السلطة إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، لكن الواقع الميداني لا يزال غامضًا.
أسئلة مفتوحة
-
هل تكتفي واشنطن بـ«انتصار سريع» كما في العراق وليبيا؟
-
أم تتجه إلى احتلال طويل الأمد؟
-
هل تستغل المعارضة الفرصة للسيطرة على الحكم؟
-

السؤال الوجودي: من يحمي الدول الصغيرة؟
لم يعد الجدل محصورًا في فنزويلا. فالتدخل الأحادي يهدد بـ:
-
تفكك التحالفات التقليدية
-
تسارع سباق التسلح
-
انهيار مبدأ السيادة
وبات السؤال المطروح في أوروبا والعالم:
«إذا كان مسموحًا لواشنطن أن تفعل ما تشاء، فما الذي يمنع روسيا أو الصين من فعل الشيء نفسه؟»
أعادة تعريف النظام الدولب بأكملة بعد الحادث
بخطوة واحدة، لم تُسقط واشنطن نظامًا سياسيًا فحسب، بل فتحت صندوق باندورا الذي قد يعيد تعريف النظام الدولي بأكمله.
وفي عالم تتراجع فيه قدسية القانون الدولي، وتُبرر القوة بالاستثناءات، ترتعد أوروبا خوفًا من أن يتحول هذا السلوك إلى قاعدة، لا استثناء.
لم يعد السؤال: هل كان مادورو ديكتاتورًا؟
بل: من سيدافع عن سيادة الدول الصغيرة إذا أصبحت القوة هي القانون؟
سؤال يلاحق العالم من كاراكاس إلى غزة، حيث تُسحق القواعد الدولية تحت أقدام المصالح، ويُختزل القانون الدولي إلى حبر على ورق.


