في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع طهران، تتزايد المخاوف داخل دولة الاحتلال من تداعيات أي تصعيد عسكري قد يفتح الباب أمام رد إيراني واسع. هذه الهواجس لم تعد حبيسة التقديرات الأمنية المغلقة، بل خرجت إلى العلن على لسان شخصيات سياسية بارزة، في مقدمتها رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، الذي شن هجومًا لاذعًا على الحكومة والمستويين السياسي والأمني، محذرًا من «ثمن باهظ» قد تدفعه إسرائيل نتيجة غياب الجاهزية الدفاعية الكافية.
وخلال اجتماع لكتلته البرلمانية، وضع ليبرمان صورة قاتمة للوضع الأمني الداخلي، مؤكدًا أن إسرائيل لا تزال غير مستعدة لسيناريو رد إيراني مباشر، رغم التحذيرات المتكررة التي أطلقها منذ أشهر. وأشار إلى أنه حذر منذ عيد «سوكوت» من هذا الخلل، لكنه قوبل آنذاك بانتقادات حادة، قبل أن تكشف التطورات الأخيرة – بحسب تعبيره – صحة مخاوفه.
وقال ليبرمان إن التقارير الصحفية الأخيرة تحدثت عن طلب رئيس الوزراء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل أي هجوم على إيران بسبب عدم الجاهزية الدفاعية، معتبرًا أن ذلك يعكس «قيادة ذات استجابة متأخرة»، تتعامل مع الأخطار بعد تفاقمها لا قبل وقوعها.
فجوات خطيرة في الدفاع المدني
وسلط ليبرمان الضوء على ما وصفه بثغرات مقلقة في منظومة الدفاع المدني، مستشهدًا بتقرير «مراقب الدولة» الذي كشف أن أكثر من ثلاثة ملايين إسرائيلي يعيشون دون تحصين مناسب، وأن مئات الآلاف من الطلاب اضطروا إلى الدراسة خلال الحرب الأخيرة في مبانٍ غير محصنة. وتساءل بحدة: ماذا أنجزت الحكومة منذ نهاية الحرب؟ وكم عدد المساحات المحصنة التي أُضيفت فعليًا؟

وحذر من أن أي مواجهة جديدة قد تشهد استهداف مواقع استراتيجية وحيوية، مستذكرًا إصابة معهد وايزمان خلال المواجهة الأخيرة وتدمير مختبرات تضم بيانات علمية تراكمت لعقود، في مؤشر – حسب رأيه – على دقة الضربات وقدرة الخصم على إيلام العمق الإسرائيلي.
انتقادات للعقيدة العسكرية
ولم تقتصر انتقادات ليبرمان على الدفاع المدني، بل امتدت إلى العقيدة العسكرية ذاتها، معتبرًا أن المؤسسة الأمنية ما زالت أسيرة مفاهيم قديمة، بينما تتجاهل «ثورة الصواريخ» التي باتت تحسم الحروب الحديثة. وانتقد الجدل الدائر حول شراء أسراب طائرات جديدة، داعيًا بدلًا من ذلك إلى استثمار واسع في سلاح الصواريخ الدقيقة، القادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى دون تعريض الطيارين للمخاطر.
وأكد ليبرمان أنه دعا منذ توليه وزارة الدفاع سابقًا إلى بناء منظومة صاروخية متكاملة، تشمل صواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، تغطي ساحات المواجهة المختلفة، من الدوائر القريبة إلى التهديدات الإقليمية الأوسع. غير أنه أشار إلى أن التنفيذ تعثر، وأن إسرائيل تمتلك صواريخ دون منصات إطلاق كافية أو مخزون ملائم لسيناريو حرب متعددة الجبهات.
الاعتماد على الذات وميزانية «مقدسة»
وفي سياق متصل، شدد ليبرمان على ضرورة عودة إسرائيل إلى الإنتاج الذاتي للذخائر والأسلحة، محذرًا من الاعتماد على الإمدادات الخارجية، حتى من الحلفاء، في لحظات مصيرية. ودعا إلى تثبيت ميزانية الدفاع عند مستوى مرتفع ولمدة طويلة، معتبرًا أن الأمن لا يحتمل المناورات المالية أو التخفيضات الظرفية.
مخاوف تتجاوز السياسة
تعكس تصريحات ليبرمان حالة قلق متصاعدة داخل إسرائيل من أن أي تصعيد مع إيران قد يكشف هشاشة الجبهة الداخلية، ويضع الحكومة أمام اختبار صعب بين الطموحات العسكرية والواقع الدفاعي. وبينما تستمر التحذيرات، يبقى السؤال مطروحًا داخل الأوساط الإسرائيلية: هل الوقت المتبقي كافٍ لسد هذه الفجوات، أم أن ثمن التأخير سيكون أكبر من قدرة الدولة على الاحتمال؟


