الجمعة، ١٣ مارس ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٩ م

حرب إيران تكشف صدعاً أطلسياً.. أوروبا بين ضغوط ترامب وغضب الشارع

حرب إيران تضع أوروبا في مأزق مع إدارة ترامب

صعود الخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية مع تصاعد الانتقادات للحرب.


حرب إيران تعمّق الشرخ بين واشنطن وأوروبا

كشفت الحرب الأمريكية ضد إيران عن أزمة عميقة في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حيث وجد العديد من القادة الأوروبيين أنفسهم في موقف دفاعي أمام الرأي العام الداخلي الذي لا يدعم هذه الحرب.

فبينما تسعى واشنطن في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرض رؤيتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تواجه هذه السياسة رفضًا متزايدًا داخل القارة الأوروبية، سواء من الحكومات أو من الشارع.

وقد تحولت الحرب إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين أوروبا وواشنطن، خاصة بالنسبة للقادة المحافظين والشعبويين الذين بنوا جزءًا من مشروعهم السياسي على التقارب مع ترامب.


ميلوني بين الولاء لترامب وضغط الداخل

                                ترامب وقادة اوربا تعد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أبرز مثال على هذا التناقض السياسي.

فميلوني التي وُصفت في بعض الأوساط السياسية بـ"مستشارة ترامب في أوروبا"، تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن وبين الاستجابة لمطالب الرأي العام الإيطالي الرافض للحرب.

وقد تعرضت ميلوني لانتقادات حادة داخل مجلس الشيوخ الإيطالي بسبب علاقاتها الوثيقة مع الرئيس الأمريكي.

وخلال جلسة ساخنة، واجهها السيناتور كارلو كاليندا باتهامات بأنها تدافع عن سياسات ترامب الخارجية، وهو ما دفعها للرد بطريقة لافتة حين قالت:
"بصراحة، لا أعتبر تقييماتك للرئيس ترامب بعيدة عن الواقع".

لكن هذا الرد لم ينهِ الجدل، بل كشف عن تزايد الحرج السياسي داخل الحكومة الإيطالية بسبب الحرب.


الحرب غير شعبية في أوروبا

تشير استطلاعات الرأي في أوروبا إلى أن الحرب الأمريكية ضد إيران لا تحظى بأي دعم شعبي تقريبًا.

ففي إيطاليا، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف أن نحو 77% من الإيطاليين يحملون رأيًا سلبيًا تجاه ترامب، وهي نسبة تعكس حالة الاستياء من السياسات الأمريكية في المنطقة.

كما أدى ارتفاع أسعار الطاقة والبنزين نتيجة التوترات في الشرق الأوسط إلى زيادة الغضب الشعبي.

وبالنسبة للعديد من الأوروبيين، تبدو الحرب صراعًا بعيدًا عن مصالحهم المباشرة، لكنها تحمل في المقابل تداعيات اقتصادية وأمنية عليهم.


انقسام داخل اليمين الأوروبي

لم تقتصر الأزمة على الحكومات، بل امتدت أيضًا إلى الأحزاب الشعبوية واليمينية التي كانت تقليديًا الأقرب إلى ترامب.

ففي ألمانيا، اندلع جدل حاد داخل حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو أحد أبرز أحزاب اليمين المتطرف في البلاد.

حيث انتقد تينو خروبالا، أحد قادة الحزب، ترامب بشدة قائلاً إن الرئيس الأمريكي قد يتحول من "رئيس سلام" إلى رئيس حرب.

وقد أثارت هذه التصريحات غضب بعض مؤيدي ترامب داخل الحزب، ما كشف عن انقسام واضح داخل التيار الشعبوي الأوروبي.


فيكو وأوربان.. الحلفاء الحذرون

أما في أوروبا الشرقية، فقد حاول بعض القادة الذين تربطهم علاقات جيدة مع ترامب اتباع نهج أكثر حذرًا.

فقد انتقد رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو الهجوم الأمريكي على إيران، معتبرًا أنه دليل إضافي على انهيار النظام الدولي.

وقال فيكو إن ما يحدث يعكس "الاستهتار الكامل بالقانون الدولي".

وفي المقابل، حاول رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو أحد أقرب الحلفاء الأوروبيين لترامب، تجنب الصدام المباشر مع واشنطن.

فبينما أعلن دعمه للرئيس الأمريكي، ألمح في مقابلة تلفزيونية إلى أنه نصح ترامب بعدم خوض هذه الحرب.

ويعكس هذا الموقف الحذر إدراك أوربان لحساسية المرحلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات في بلاده.


تهديدات ترامب لأوروبا

لم تقتصر التوترات بين واشنطن وأوروبا على الحرب في إيران.

فخلال الأشهر الأخيرة، أطلق ترامب عدة تصريحات أثارت قلق العواصم الأوروبية، من بينها:

  • تهديده بالسيطرة على غرينلاند

  • انتقاده المتكرر للاتحاد الأوروبي

  • فرض رسوم اقتصادية على بعض المنتجات الأوروبية

وقد ساهمت هذه التصريحات في تراجع شعبية ترامب داخل القارة الأوروبية بشكل ملحوظ.


أزمة الثقة داخل التحالف الغربي

                               ترامب وميلوني

نسلط هذه التطورات الضوء على أزمة أعمق داخل التحالف الغربي التقليدي.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكلت العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا حجر الأساس للنظام الدولي.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت هذه العلاقة تشهد توترات متزايدة بسبب اختلاف الرؤى حول عدة ملفات، من بينها:

  • الأمن الدولي

  • التجارة العالمية

  • التغير المناخي

  • السياسات العسكرية

وجاءت الحرب في إيران لتضيف بعدًا جديدًا لهذه الخلافات.


هل ينهار النظام الدولي القديم؟

حذرت ميلوني نفسها من أن العالم قد يكون أمام نقطة تحول تاريخية.

ففي تصريحات نقلتها وسائل إعلام أمريكية، قالت إن التدخلات العسكرية الأحادية خارج إطار القانون الدولي تعكس انهيار النظام العالمي المشترك.

ويرى بعض المحللين أن الحرب الحالية قد تسرّع من إعادة تشكيل النظام الدولي، مع صعود قوى جديدة وتراجع الدور التقليدي للتحالف الغربي.


صداقة سياسية تحت الضغط

كانت العلاقة الشخصية بين ترامب وميلوني واحدة من أبرز مظاهر التقارب بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.

فقد وصف ترامب رئيسة الوزراء الإيطالية في أكثر من مناسبة بأنها "قائدة عظيمة وصديقة".

كما أشاد بها خلال لقاء جمعهما في مصر، حيث وصفها بأنها "شابة جميلة تحاول دائمًا المساعدة".

لكن هذه العلاقة أصبحت الآن مصدر إحراج سياسي لميلوني في الداخل الإيطالي.

فمع تصاعد الانتقادات للحرب، يخشى بعض حلفائها أن تتحول هذه الصداقة إلى عبء سياسي قد يؤثر على مستقبل حكومتها.


أوروبا بين الاستقلالية والاعتماد على واشنطن

تكشف هذه الأزمة عن التحدي الكبير الذي تواجهه أوروبا اليوم.

فمن جهة، تعتمد القارة بشكل كبير على الولايات المتحدة في المجال الأمني، خاصة من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ومن جهة أخرى، تسعى بعض الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي عن واشنطن.

وقد تعيد الحرب في إيران إحياء النقاش داخل أوروبا حول ضرورة بناء سياسة دفاعية أوروبية مستقلة.


بداية مرحلة جديدة؟

تشير التطورات الحالية إلى أن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا قد تدخل مرحلة جديدة من إعادة التوازن.

فبينما لا يبدو أن التحالف عبر الأطلسي مهدد بالانهيار الكامل، إلا أن الخلافات المتزايدة قد تدفع أوروبا إلى إعادة تقييم موقعها في النظام الدولي.

وفي هذا السياق، قد تكون حرب إيران لحظة فاصلة تكشف حدود النفوذ الأمريكي في القارة الأوروبية.


العالم يدخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح التحالفات

أظهرت الحرب الأمريكية ضد إيران أن العلاقة بين واشنطن وأوروبا لم تعد كما كانت في السابق.

فبينما يحاول بعض القادة الأوروبيين الحفاظ على علاقاتهم مع ترامب، يواجهون في الوقت نفسه ضغوطًا داخلية متزايدة بسبب سياساته الخارجية.

ومع استمرار التوترات الدولية، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح التحالفات السياسية في النظام العالمي.


 
عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.