حذّرت الأمم المتحدة من تحول خطير في طبيعة الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، واصفة ما يجري بأنه لم يعد مجرد تجاوزات متفرقة، بل نظام متكامل من القمع والتمييز يرقى إلى مستوى الفصل العنصري.
هذا التحذير جاء في تقرير رسمي صادر عن مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، مرفق ببيان شديد اللهجة أدلى به المفوض السامي فولكر تورك، أعاد فيه تسليط الضوء على واقع الفلسطينيين في الضفة الغربية، وسط صمت دولي متزايد وعجز واضح عن وقف التدهور المستمر.
فولكر تورك: ما يحدث «خنق ممنهج» للحقوق
قال فولكر تورك في بيانه المصاحب للتقرير:
«إننا نشهد خنقًا ممنهجًا لحقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية، الأمر الذي أدى إلى وضع خطير من التمييز العنصري والفصل العنصري، على غرار أنظمة الفصل العنصري التي شهدها العالم في الماضي».
ويوضح التقرير أن السياسات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على إجراءات أمنية مؤقتة، بل أصبحت نهجًا ثابتًا يقوم على:
-
تقييد الحركة عبر مئات الحواجز
-
التوسع الاستيطاني المكثف
-
مصادرة الأراضي
-
استخدام القوة المفرطة
-
تقويض سبل الحياة الاقتصادية والاجتماعية
-

الضفة الغربية.. حياة تحت الحصار اليومي
يرصد تقرير الأمم المتحدة واقعًا معيشًا يصفه الفلسطينيون بأنه سجن مفتوح، حيث تحولت مدن وقرى الضفة الغربية إلى مناطق معزولة عن بعضها البعض، بفعل:
-
الحواجز العسكرية الدائمة والمؤقتة
-
الطرق الالتفافية المخصصة للمستوطنين
-
الإغلاقات المتكررة التي تعطل التعليم والرعاية الصحية والعمل
ويشير التقرير إلى أن هذه الإجراءات لا تُطبق على أساس أمني بحت، بل على أساس الهوية والانتماء القومي، وهو ما يشكل جوهر مفهوم التمييز العنصري وفق القانون الدولي.
الاستيطان.. جوهر الأزمة
يولي التقرير أهمية خاصة لملف الاستيطان الإسرائيلي، معتبرًا إياه الركيزة الأساسية لنظام الفصل القائم.
ففي الوقت الذي تُصادر فيه الأراضي الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني، يُحرم الفلسطينيون من:
-
حق البناء
-
حق التوسع العمراني
-
حق الوصول إلى الموارد الطبيعية
وفي المقابل، يتمتع المستوطنون بحماية عسكرية وقانونية كاملة، وببنية تحتية حديثة، ما يخلق واقعًا قانونيًا مزدوجًا داخل الإقليم الواحد.
فصل عنصري بحكم القانون والممارسة
يؤكد التقرير أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يقتصر على ممارسات ميدانية، بل يمتد إلى:
-
تشريعات وقوانين إسرائيلية تميّز بين الفلسطيني والمستوطن
-
نظام قضائي مزدوج، حيث يُحاكم الفلسطيني أمام محاكم عسكرية، بينما يخضع المستوطن للقانون المدني
-
استخدام ممنهج للقوة دون مساءلة فعالة
ويرى خبراء الأمم المتحدة أن هذه العناصر مجتمعة تنطبق على التعريف القانوني للفصل العنصري كما ورد في الاتفاقيات الدولية.
صمت دولي وتحذير من الانفجار
حذر مفوض حقوق الإنسان من أن استمرار هذا الوضع، دون محاسبة أو تدخل دولي جاد، قد يؤدي إلى:
-
انفجار شعبي واسع في الضفة الغربية
-
تقويض أي فرص لحل سياسي
-
ترسيخ واقع الدولة الواحدة بنظامين قانونيين متناقضين
وأشار إلى أن المجتمع الدولي لا يمكنه الاكتفاء ببيانات القلق، داعيًا إلى خطوات ملموسة لحماية المدنيين الفلسطينيين وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.
إسرائيل والردود المتوقعة
عادة ما ترفض إسرائيل توصيف سياساتها بالفصل العنصري، وتعتبر تقارير الأمم المتحدة «منحازة ومسيّسة»، مؤكدة أن إجراءاتها تأتي في إطار ما تصفه بـ«الدفاع عن النفس».
غير أن تقارير حقوقية دولية متراكمة، من بينها تقارير أممية ومنظمات مستقلة، باتت ترسم صورة متشابهة لواقع الضفة الغربية، ما يضع الرواية الإسرائيلية الرسمية أمام تحدٍ متزايد.
إلى أين تتجه الضفة الغربية؟
في ظل استمرار التصعيد الميداني، وتزايد اقتحامات المدن والمخيمات، وتوسع الاستيطان بلا قيود، يرى مراقبون أن الضفة الغربية تقف أمام مفترق طرق خطير:
-
إما تدخل دولي جاد يعيد الاعتبار للقانون الدولي
-
أو ترسيخ واقع فصل عنصري دائم، قد يعيد المنطقة إلى دوامة عنف مفتوحة
وكما خلص تقرير الأمم المتحدة، فإن التاريخ أثبت أن أنظمة الفصل العنصري لا تدوم، لكن كلفتها الإنسانية تكون دائمًا باهظة.


